ثم أوجز عز وجل طريق اللحاق بزمرة الصالحين الفائزين، مخبرا على سبيل الحصر بقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أي لا أحد أحسن دينا مِمن أسلم وجهه للَّه، فأطاعه وانقاد له وأذعن لأوامره ونواهيه، وأخلص نيته، وصدق في أعماله ومقاصده، وهذا نفي واستبعاد لأن يكون أحدٌ أحسنَ دينًا ممن فعل ذلك أو مساويا له {وَهُوَ مُحْسِنٌ} وكان محسنا يراقب ربه في جميع أعماله، يعبده كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فالله تعالى يراه {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} واتبع دين إبراهيم الذي حنف ومال مبتعدا عن كل شرك وسوء، فقربه ربه واتخذه خليلا وصفيا وحبيبا {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} . وكفى بهذا المنهج شرفا أن وصفه تعالى بأنه استمساك بالعروة الوثقى فقال في الآية 22 من سورة لقمان: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} ، وكفى به أن كان القدوة فيه خليلا للحق سبحانه، أما سبب تسميته الخليل فقد وردت آثار كثيرة نفرد منها ما ذكره شهر بن حوشب قال:"هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي، فقال إبراهيم عليه السلام: اذكره مرة أخرى، فقال: لا أذكره مجانًا، فقال: لك مالي كله، فذكره الملك بصوت أشجى من الأول، فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي، فقال الملك: أبشر فإني ملَك لا أحتاج إلى مالك وولدك، وإنما كان المقصود امتحانك، فلما بذل إبراهيم المال والأولاد على سماع ذكر الله لا جرم اتخذه الله خليلًا".
ويختم تعالى ما قرره من أمر الحساب العادل في الآخرة وما وضعه للعباد ذكرانا وإناثا من قانون للجزاء والعقاب، فيذكِّر الغافلين بملكيته للكون أرضه وسمائه، وإحاطة علمه بجميع مخلوقاته جنا وإنسا وخلقا مما لا يعلمون، ويقول جل ثناؤه:
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} هذه الحقيقة الربانية تجعل المؤمن يستعلي بإيمانه، ويعتز بمكانته وموقعه وكرامته، إذ شعوره بملكية ربه للسماوات والأرض وما فيهن، ويقينه بأنه تعالى محيط بالكون كله ما علمه الخلق وما لم يعلموه، وأن قوته مهيمنة لا يغلبها غالب، ولا يسلبها سالب، كل ذلك يملأ قلبه إيمانا واطمئنانا وأمنا ورضا، لأنه يأوي إلى ركن شديد، ورب كريم حميد، لا يرد من سأله، ولا يحرم من استرحمه، لا يذل من والاه ولا يخيب من رجاه.
إن سبيل المؤمنين واضح بين في كتاب الله وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم، وما يستنبط منهما ويحمل عليهما بمناهج البحث المعتمدة لدى أهل السنة والجماعة، في جميع نظم الحياة عبادة ونسكا واجتماعا وسياسة واقتصادا وبحثا علميا وغيره، ولئن مرقت مارقة بعد صلاح، وشذت فرقة بعد ائتلاف، وادعت مزاعمُ صوابا في مناهج وضعية، شيوعية أو اشتراكية أو لبرالية، أو رأسمالية أو تسيبية