فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 326

قِراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا، ومن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).

ولئن كان نزول هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... } بسبب سارق الدرع الذي افتضح أمره فارتد وهرب إلى مكة كما سبق شرحه في الآيات السابقة، فإنها في الوقت نفسه تحذير من عاقبة الخيانة والردة، ودعوة للأمة الإسلامية كي تتحد وتعتصم بالدين، وتلتحم بمنهج الإسلام، وتجتنب الفرقة والتنازع، قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} لأنفال 46. ولا أحْفَظَ لهذه الوحدة من التمسك بالإيمان والتوحيد وإقامة أمرهما، ولا أضيع لها من الإعراض عن سبيل الله واتباع سبل الضلال وعبادة الشيطان مشخَّصا في آلهة الإفك قديما وحديثا، كما قال تعالى عقب ذلك:

{إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} لا يعبدون من دون الله في الحقيقة إلا أوثانا أسموها تسمية إناث، مثل صنم عشتروت عند اليونان والعزى ونائلة عند قريش، ومناة عند الأوس والخزرج، وقد كان لكل حي من أحياء العربِ صنم يعبد يسمُّونه أنثى بني فلان، يُلْبِسونه أنواعَ الحَلْي ويُزيِّنونه على هيئة امرأة.

{وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا} وما يعبدون في هذه الأوثان إلا شيطانا {مَرِيدًا} عاصيا {لَعَنَهُ اللَّهُ} طرده الله وأبعده عن مواقع فضله وتوفيقه وموجبات رحمته، لِمَا قاله معترضا على أمره عز وجل بالسجود لآدم عليه السلام كما ورد في سورة الأعراف من قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} الأعراف 12/ 13، ثم لما أنظره عز وجل إلى يوم الدين {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} الأعراف 16/ 17.

وهو نفس السياق في هذه الآيات من سورة النساء بزيادة بيان بعض أوجه تضليل الشيطان لأوليائه استدراجا لهم إلى الشرك ومكرا بهم:

{وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} والنصيب هو الحصة أو السهم من الشيء، والمفروض أي: المُعيَّن، الذي اقتضته حكمة الله تعالى في طبيعة النفس البشرية ابتلاء لها واختبارا، وهو أحد نجدي الخير والشر في قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} البلد 10. والظاهر من الآية أن الله خلق في الشيطان علمًا أيقن بمقتضاه أنّ لديه المقدرة على فتنة بعض البشر وتسخيرهم، وأن استعداد بعض الناس للباطل وارتكابهم للشر في مجال المعتقد أو الأعمال والعلاقات أو الأهواء وخلجات النفس هو نصيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت