وقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} أي: من ينشقّ عن صف الرسول صلى الله عليه وسلم، وينعزلْ عنه وينحَزْ إلى عدوه، والمراد بالمشاقة الخروج عن منهجه للحياة في الكتاب والسنة، أي من يرتددْ عن دينه، ويفرقْ جماعة المسلمين {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} من بعد ما بلغته الرسالة وتبين هداها وصراطها المستقيم وأعلن الإيمان بها {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} ثم يتخذ دينا غير دين المؤمنين، ومنهجا لحياته غير منهجهم وطريقا غير طريقهم {نُوَلِّهِ} نعرض عنه ونَكِله ونتركه إلى {مَا تَوَلَّى} إلى ما تولاه وانحاز له من معتقدات فاسدة وأوثان وأصنام، كما في الحديث الثابت: (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيى من الله فاستحيى الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه) ، وقد ذهب الإمام الشافعي إلى أن هذه الآية دليل على أن إجماع المؤمنين في الأحكام الشرعية حجة، وقرر غيره الاستدلال بغيرها لأنها غير قطعية في أن الإجماع الفقهي هو سبيل المؤمنين، ولجواز أن يراد بسبيل المؤمنين إيمانهم بالله ورسوله، أو متابعتهم في مناصرتهم الرسول صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه.
ثم بين تعالى عاقبة من يشق صف المسلمين بالردة أو يوالي أعداءهم وقال:
{وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ولفظ:"نُصْلِهِ"من فعل: صلّا الشيءَ في النار وأصلاه يُصليه صليا إذا ألقاه فيها ليحترق، والآية بذلك تهديد لمن يشق صف المؤمنين ويتبع غير سبيلهم بدخول جهنم، كما قال تعالى في آية أخرى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الأنفال 13.
ثم أكد الحق سبحانه هذا التهديد وبين علته، ليميز ما هو قابل للمغفرة مما هو غير قابل لها وقال:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} أي: يصليه جهنم لأن الشرك غير قابل للمغفرة، وما سواه مشروط بمشيئة اللّه تعالى، {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} ولأن الشرك ضلال بعيد عن الهداية، فلا تكون التوبة فيه إلا بالإقلاع عنه مطلقا، وبالإيمان الصادق والعمل الصالح كما في قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} الفرقان 70.
وهذه الآية من أقوى الأدلة على احتمال العفو عن أصحاب الكبائر تفضلا منه تعالى ما لم يشركوا، قال عز وجل: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر 53، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر، ومن عمل