تفرقوا، وأن تناصحوا من ولَّى الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) وقوله: (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) وشبك بين أصابعه.
وتجلت كذلك عنوانا وشعارا بما سماهم به ربهم تعالى من تسمية جامعة لكل خير وقوة، عاصمة من كل وهن أو ضعف: المسلمين، المؤمنين، عباد الله؛ قال عز وجل: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} الزمر 11/ 12، وقال: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} آل عمران 164، وقال: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} العنكبوت 56، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن دعوتهم بغير ما دعاهم به ربهم عز وجل فقال: (فادعوا المسلمين بأسمائهم، بما سماهم الله عز وجل، المسلمين، المؤمنين، عباد الله عز وجل) .
وتجلت كذلك سلوكا راقيا مشتركا بين المسلمين، صلاة وعفة جوارح وحفظا للأمانة ووفاء بالعهود بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} المؤمنون 1/ 10.
وتحصينا لهذه الوحدة حذر الحق سبحانه من كل جنوح نحو الفرقة والتمزق فقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} الأنعام 159. وقال: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} الروم 31/ 32. وعرض بالبيان الشافي في آيات الحلقة السابقة لأسباب الانشقاق والفرقة والتنازع في المجتمع المسلم، خيانة ونجوى بالإثم والعدوان، ومناصرة للمنافقين ومجادلة عنهم، ومحاولة لتضليل الرسول صلى الله عليه وسلم، بحجب الحقائق عنه وتزوير الشهادات، ثم عاد لتهديد من يشق الصف ويفرق الكلمة يتوعده بأشد العذاب، بقوله عز وجل:
{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ، ولفظ:"يشاقق"فعل مضارع مضاعف مجزوم، والمُضَارعُ المضاعف المَجْزُوم يجوز فيه الإدغام وفَكُّه، من فعل شق الشيءَ يشقه إذا صدعه وجعله قطعتين، والشِّقَّة: شَظِيَّةٌ تفصل عن عود أو خشبة، والشقاق مجازا كذلك هو غلبة العداوة والخلاف، فإذا انصدعت الجماعةُ وتفرَّق أمرها قيل: انشقت عصاها بعد التئامها، أي كانت كل فرقة منها في شق غير شق الأخرى.