فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 326

أخرى مثل قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الشورى 52.

لقد كان مكر هذه الطائفة التي بيتت العزم على إضلال الرسول صلى الله عليه وسلم، فتناجت به ليلا وحاولت تنفيذه بالنهار، مناسبة لكي يتجه الوحي إلى معالجة هذه الظاهرة في الصف المسلم كيلا تستفحل ويتعذر استئصالها، ولذلك عقب الحق سبحانه بقوله:

{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} والنجوى هي المُسارَّة في الحديث، مشتقة من النجو، وهو المكان المستتر يخلو فيه المرء إلى صاحبه، وهو الحديث سرا بين اثنين أو أكثر، تقول: ناجى فلان فلانا، وتناجوا فيما بينهم، وانتجوا. والنجوى من أكثر الأحوال العارضة للناس في حالات الخوف والغموض والتآمر والخيانة، لذلك تكرر النهي عنها والتنديد بها في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} المجادلة 8، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} المجادلة 9/ 10، وقوله: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} الإسراء 47. وكما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد) ، ولئن كانت النجوى غالبة على أهل الرِّيَب والشبهات، لخبث نواياهم وسوء مقاصدهم، وهي بذلك محرمة، فإنها أحيانا تكون مباحة إذا قصد بها الإصلاح واقترنت بحسن النية وانضبطت بأحكام الشرع، وهي الحالات التي استثناها القرآن من التحريم بقوله تعالى عقب ذلك:

{إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} أي لا تجوز النجوى والمسارة إلا في ثلاثة مواطن:

عند الأمر بالصدقة والحث عليها، لما فيه من تراحم وتعاون وتكافل بين المسلمين وحفظ لمروءاتهم، لا سيما و (صدقة السر تطفئ غضب الرب) ، ومن السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) ، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت