وعن القاعدة الثالثة وقد قررت مضاعفة الذنب لمن يرتكب إثما ويرمي به غيره كي يتخلص من تبعاته الاجتماعية أو السياسية أو القضائية في الدنيا، يقول تعالى:
{وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً} في حق غيره {أَوْ إِثْمًا} في حق نفسه {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} ثم ينسب الخطيئة والإثم لغيره بغية تشويه سمعته أو تحميله مسؤولية الفعل {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} والبهتان هو أن تفتري على غيرك وترميه بأمر منكر هو منه بريء، والإثم المبين هو الذنب العظيم الواضح الذي لا شك في وقوعه، وصاحبهما مذموم في الدنيا ومعرض للعذاب الشديد في الآخرة. لأن خطيئته مضاعفة بارتكابه الذنب أولا، ثم بنسبته ظلما وعدوانا إلى غيره، وقد حرم الله تعالى أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقال عز وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} الأحزاب 58.
وقد فشا هذا السلوك الخبيث في عصرنا هذا حيث تطورت أساليب الحكام الظالمين وطرائق الأحزاب المتنافسة على السلطة في التخلص من خصومهم بارتكاب الجرائم ونسبتها إليهم، أو بتسخير الإعلام الفاجر لقذف الأبرياء من معارضيهم ومنافسيهم، مما عصف بالعدالة والمروءة والأمن وحَوَّل الساحة الاجتماعية والسياسية والقضائية داخل الأمة إلى مباءة للفساد والمجاهرة بالفواحش والتآمر على الأبرياء. وكانت مؤامرة قوم سارق الدرع سابقة خطيرة في هذا المجال لو تمت لأدت إلى إضعاف مصداقية النبوة والتشكك فيها لدى اللص وقومه ولدى المتهم البريء نفسه، إذ لو تمت المؤامرة لقالوا جميعا:"لو كان محمد نبيا لما اختلط عليه الأمر ولميز البريء من المذنب"، ولكن فضل الله تعالى تدارك النبي صلى الله عليه وسلم فأنقذه من هذا المكر السيِّء ونزلت الآية الكريمة عصمة له من الخطأ في التقدير والحكم، وحفظا لعدالته من التزوير ومنة من ربه تعالى عليه بذلك، فقال عز وجل:
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ} ولولا فضل اللّه عليك ورحمته لك وعصمته وألطافه بك وما أنزل إليك من أخبار عما تناجى به قوم السارق، وما عزموا عليه من محاولة إضلالك عن الحق لما اهتديت إلى السارق الحقيقي {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} وهم في الحقيقة لا يضلون ولا يضرون إلا أنفسهم لأن الوزر يعود عليهم خزيا وافتضاحا في الدنيا وعذابا في الآخرة.
كل ذلك بفضل ما أنزله الله عليك من القرآن الكريم وحكمة التشريع وفقه مقاصد الدين، وما أولاك به من نبوة وعصمة وحسن رعاية وتعليم، وما أفاضه عليك من فضله العظيم: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} ، وهو ما بينته آيات