فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 326

ويزورن ليلا ما لا يرضاه الله تعالى من القول، إشارة إلى قوم سارق الدرع وتبييتهم تحريف حقيقة الجريمة ورمي اليهودي البريء بها {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} محيط بأعمالهم الظاهرةِ والخفية، يحصي خلجات قلوبهم بالنهار ونجوى أفئدتهم بالليل، لا يعزُب عنه منها شيء ولا يفوته منها خبر. وبمقتضى هذه الآية الكريمة يعد مرتكبوا هذا الفعل منافقين نفاقا عقديا لأنهم يستخفون من الناس ولا يستحيون من الله، ونفاقا عمليا لأن تصرفاتهم تناقض تعاليم الإسلام وإن تظاهروا بالإيمان.

ثم تلاها مباشرة تحذير للمؤمنين من التعاطف مع الخائنين أو مساعدتهم على باطلهم أو المجادلة عنهم بقوله تعالى:

{هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وكانت نتيجة جدالكم عنهم أن افتضحوا وفشلتم في تبرئتهم {فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فمن يستطيع أن يدافع عنهم يوم القيامة، والاستفهام في الآية إنكاري للمجادلة عن الخونة، وتعريض بقوم السارق الذين جادلوا عنه يؤكده الاستفهام الإنكاري بعده وهو قوله تعالى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} من يستطيع أن يكون حافظا للخائنين ومحاميا عنهم من بأس الله تعالى وعقابه، وكأن الآية تقول لهم:"يا من خاصمتم عن السارق، هبوا أنكم خاصمتم عنه في الدنيا، فمن يدافع عنه في الآخرة، إذا أخذه اللّه بعذابه، ومن منكم يكون وكيلا له يجادل عنه يوم القيامة؟"

وبعد هذا التنديد بالخيانة والوعيد الشديد لأهلها والعتاب القاسي للمدافعين عن مرتكبيها يقرر الحق سبحانه القواعد الشرعية التي تضبط وسائل كبحها وطرائق التعامل معها بما يمحو آثارها رحمة وعدلا فيقول تعالى عن القاعدة الأولى وقد فتحت باب التوبة في وجه العصاة وأطمعت كل مذنب تائب في المغفرة:

{وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا} فعلا قبيحًا يؤذي به غيره {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} بما يختص به، شركا أو كبائر أو صغائر {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ} بالتوبة الصادقة {يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} يلق من ربه المغفرة الشاملة والرحمة الواسعة.

وعن القاعدة الثانية وقد قررت فردية الذنب وفردية الجزاء يقول تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} من يرتكب ذنبا عاد عليه وحده ضرره وجزاؤه، كما قال تعالى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام 164، كل ذلك لا يغيب عن علم الله تعالى {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} كان سبحانه أزلا وأبدا عليما بخفايا الأقوال والأعمال حكيما في تقدير ما تستحق من العقوبة والجزاء، فليحذر الآثم وليعجل بالتوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت