فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 326

فخيانة المرء ربه تتمثل أول ما تتمثل في الكفر والشرك لأنهما رأس الموبقات، وداخل الصف المسلم يجسدها النفاقان العقدي والعملي بوضوح، وهما إظهار الإيمان والعمل الصالح، وإسرار الشرك والرياء وعدم الوفاء بعهد الله تعالى.

وخيانة المرء للرسول صلى الله عليه وسلم هي عدم الامتثال لأمره ونهيه، وعدم الاقتداء به والتأسي بهديه، وإدخال البدعة في سنته.

أما الأمانة وهي كل ما تُعُبِّد به، فتدخل فيها عقيدة الإسلام وشرائعه؛ وبما أن الخون معناه التنقص فإن خيانة الأمانة هي الانتقاص من الشريعة أو تحريف العقيدة، ومن فعل ذلك فقد خان الأمانة، وخان الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم وخان نفسه.

أما خيانة المرء نفسه فإن معناها العام المطلق يشمل أمرين:

-الخيانة الذاتية بأن يرتكب المرء من الآثام اعتقادا أو قولا أو عملا ما يضر به نفسه في الدنيا والآخرة.

-خيانة المرء أمته، باعتبار أن الأمة من نفس واحدة كما قرر القرآن الكريم ذلك، بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} النساء 1، وبقوله عز وجل لبني إسرائيل وقد قتلوا بعضهم: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} البقرة 85؛ وبخطابه للمؤمنين محذرا من أن يقتلوا أنفسهم بأكل أموالهم بينهم بالباطل بقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} النساء 29؛ وأن جماعة المؤمنين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وخيانته لهم بانتقاص حقوقهم، أو انتهاك أعراضهم أو سفك دمائهم، أو التجسس عليهم وكشف عوراتهم لأعدائهم، أو خذلانهم في ساعات الضيق والعسرة، والامتناع عن الدفاع عنهم، أو عن بذل النصيحة لهم أمرا بمعروف ونهيا عن منكر، أو عدم دعوة الخلق إلى دين الإسلام.

وتتضح لنا المعاني وتستنير معالمها من تتبعنا لسياق قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} ، فقد تلاها مباشرة قوله عز وجل:

{يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ} يخفون أمر خيانتهم عن الناس ويستترون منهم ويتوارون عن أعينهم حياء أو خوفا، والناس لا يملكون لهم ضرًا ولا نفعًا {وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ} ولا يستترون من الله خوفا ولا حياء {وَهُوَ مَعَهُمْ} والله عز وجل معهم بعلمه وقدرته ورؤيته يعلم سرهم وعلانيتهم، ولا وسيلة إلى الاستخفاء منه إلا بتركِ ما يستقبِحُه ويؤاخِذُ به {إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ} إذ يدبرون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت