فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 326

إن الخطاب في هذه الآية الكريمة للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد به الأمّة، لأنّ الخصام عن الخائنين لا يتوقّع من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنّما المراد تحذير الذين دفعتهم الحميّة إلى الانتصار لسارق الدرع كما فعل ذلك قومه، ولذلك أمره تعالى بالاستغفار لهم بقوله عز وجل عقب ذلك:

{وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} استغفر الله لقوم السارق الذين يجادلون عنه، وذكِّرهم بمغفرة الله ورحمته لعباده كي تلهمهم التوبة، ذلك خير لهم من الدفاع عن الخيانة، وهذا نظير قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} النساء 64.

ثم ألقى تعالى إضاءة على حقيقة الخيانة مؤكدا أمره بتحريم المجادلة عن الخائنين بقوله:

{وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} ، والجدال لغة شدة المخاصمة، من جدل الحبل إذا فتله، وسميت المخاصمة مجادلة لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يُميلَ صاحبَه عما هو عليه من رأي ويصرفَه عنه. وتحريم الجدال دفاعا عن الذين يخونون أنفسهم أو يخونون غيرهم واضح من هذه الآية، بالنهي عنه أولا بحرف"لا"، ثم بما قرره تعالى ثانيا من أن الخائن محط غضبِه عز وجل وبغضِه إذ قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} ، وما أعظمه من ذنب يجلب على صاحبه بغض الله، ومن أبغضه الله فقد لعن، ومن الإيمان أن تحب من يحبه الله وتبغض من يبغضه الله، قال صلى الله عليه وسلم: (وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله) ، كما أن خيانة المرء لغيره ثالثا مهما تنوعت لا تخرج عن كونها إثما يكتسبه لنفسه، ومضرة راجعة عليه في الدنيا بالافتضاح وسوء الذكر، وفي الآخرة بغضب الله عليه ودخوله جهنم.

إن الخيانة وصف عام للمتلبسين بها، ولكن أعمالها وأصنافها كثيرة ومتنوعة، نجملها باعتبار من وجهت ضدهم في أربعة أصناف حددتها هذه الآية، وقوله تعالى في الآية 27 من سورة الأنفال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون} ، وهي خيانة لله عز وجل، وخيانة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وخيانة للأمانة، وخيانة للنفس.

ولئن كانت الخيانة في هذه الأصناف الأربعة كلها خيانة واحدة، لأنها كالأواني المستطرقة، يصب بعضها في بعض، إذ خيانة النفس خيانة لله وللرسول وللأمانة، وكذلك خيانة الله وخيانة الرسول وخيانة الأمانة، فإن ورودها مفصلة في القرآن ومبينة في السنة النبوية يراد به زيادة التوضيح والتحذير والتنبيه والحث على اجتنابها والبعد عن أهلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت