خصماء، وخصمون كما في قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} النحل 4، وقوله: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} الزخرف 58.
وقوله تعالى: {لِلْخَائِنِينَ} واللام في الكلمة للعلة، أي لا تخاصم أحدا للدفاع عن الخائنين، ولا تجادل عنهم فتَخفى خيانتهم ويُرْمى بها غيرُهم، مثل قوله تعالى: {فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} القصص 86، وقوله عن موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} القصص 17.
ولفظ"الخائنين"من مادة"خان"بمعنى انتقص، يخون خونا وخيانة وخانة ومخانة. والخاء والواو والنون أصل واحد معناه التنقص والضعف، يقال: في ظهره خون أي ضعف، والخون أن يؤتمن المرء فلا ينصح، والخيانة التفريط في الأمانة، وخانه إذا لم يف له، وخان السيف إذا نبا عن الضربة، وخانه الدهر إذا تغير حاله إلى الشر، وناقض العهد خائن لأنه كان يُنتظر منه الوفاء فغدر، ومنه قوله تعالى: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم) الأنفال 71. واختانه فهو خائن وخؤون وخوَّان وخائنة (الهاء للمبالغة مثل نسابة) ، ومنه قوله تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) غافر 19، أي ما يسارق المرء من النظر نظر ريبة إلى ما لا يحل له، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين) . والخيانة والنفاق شيء واحد، لكن الخيانة تقال باعتبار العهد والأمانة، والنفاق باعتبار الدين، وإن كانا يتداخلان في مواطن كثيرة.
فلما نزل القرآن نقل لفظ"الخيانة"إلى معناها المصطلحي المتضمن للغدر والكذب وتزييف الحق وتزوير الوقائع والتجسس وكشف عورات المسلمين وأسرار المجتمع الإسلامي بالفعل والعبارة والإشارة، وهو المعنى الذي يحدد معالمَ شخصية مريضة حاقدة مضطربة، دنيئة لئيمة، تُطْرَدُ من الصف المسلم إن تعذر تقويمها وإصلاحها، معالمَ طباعٍ لا تركن إليها النفوس الحرة، ولا ترتضع ألبانها الأفواه النظيفة، طباعٍ تركس الأخلاق الفردية والجماعية في الخلل والفساد، من أقصى المعاملات الفردية إلى أقصى نظم الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع، طباعٍ تستوطن بها الخيانة في جميع مناشط الفرد والجماعة، يخون بها المرء نفسه ما لم ينتفع بعقله ويهذب سلوكه. ويخونها ما استسلم لحلاوة المال أو الجاه أو القوة. ويخونها ما عشي بصره عن عيوبه وخضع قلبه لهواه. ويخونها ما غرته المطامع وأعمته الأماني. ويخونها ما غُلَّ عقله بالغضب والشهوة، ويخونه أقرب الناس إليه إن مدحه بما ليس فيه، أو ستر عنه الرشد وسايره فيما يهوى، أو ساتره عيبه وكَذَبَهُ، أو كان معه في أمر جامع واستبد برأيه عليه.