فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 326

(فليعتق رقبة، يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه من النار) ، إلا أن هذا الحديث بين الضعف والاضطراب كما ذهب إليه الألباني، والأمر كله لله تعالى في كل حال أولا وأخيرا.

وتبقى الحالة الخامسة من جرائم القتل وهي ما كانت في حالة الحرب مترددة بين الخطأ والعمد، لأن مرتكبها قد تأول الحالة وتسرع بدون تثبت إلى القتل، وهى التي تضمنها قوله تعالى عقب ذلك:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} وقد روي في سبب نزولها روايات كثيرة، ولا مانع من تعدد أسباب النزول لأن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ الآية على أصحاب كل واقعة، من ذلك أنها في شأن مِرْداسِ بنِ نهيك من أهل فدَك وكان قد أسلم ولم يُسلمْ من قومه غيرُه، فغزتْهم سريةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم غالبُ بنُ فَضالةَ الليثي فهربوا وبقيَ مرداسٌ لثقته بإسلامه فلما رأى الخيلَ ألجأ غنمَه إلى الجبل وصعِد، فلما تلاحقوا وكبّروا كبّر وقال:"لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله السلامُ عليكم"، فقتله أسامةُ بنُ زيدٍ واستاق غنمَه، فأخبروا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فوجَد وجْدًا شديدًا وقال: (قتلتموه إرادةَ ما معه) ، فقال أسامةُ:"إنه قال بلسانه دون قلبِه"، وفي رواية:"إنما قالها خوفًا من السلاح"، فقال عليه الصلاة والسلام: (هلا شقَقْتَ عن قلبه) ، ثم قرأ الآيةَ على أسامةَ فقال:"يا رسولَ الله استغفِرْ لي"، فقال: (كيف بلا إله إلا الله) ، قال أسامة:"فما زال عليه الصلاة والسلام يعيدُها حتى ودِدتُ أن لم أكن أسلمتُ إلا يومئذ"، ثم استغفرَ لي وقال: (أعتِقْ رقبة) .

كما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مُحَلِّم بن جَثَّامة في سرية، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا غَفَرَ الله لك) . فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات، ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال: (إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم من جرمتكم) ، ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة، ونزلت الآية.

وأيا ما كان سبب النزول فإن الآية صريحة في وجوب التثبت والتبين وتطهير النوايا والنفوس من بقايا عنجهية الجاهلية وجلافتها وعنفها ورعونتها وتسرعها في الأحكام وردود فعلها العشوائية في جميع ما يعرض للمؤمن من قضايا وأخبار وحوادث وأحداث، فلا يَظلم أو يُظلم، وبخاصة إذا كان بصدد عبادة هي ذروة سنام الإسلام، لا يقبل الله تعالى فيها إلا ما كان خالصا له وحده، وقد سئل النبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت