بغضبه ولعنته وعذابه الشديد، ذلك من عذاب الآخرة، أما في الدنيا فقد أوجب للقاتل القصاص حماية للمجتمع وصيانة للنفوس والأرواح عن الاهدار، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى} البقرة 178، وقال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} المائدة 45، وقال: {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} الشورى 40، وقال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} البقرة 194. وبين عز وجل الحكمة من القصاص بقوله: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ} البقرة 179.
وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية أن مِقْيَسًا بنَ صُبَابة وأخاه هشام جاءا مسلمَين مهاجرين فوُجِد هشامٌ قتيلًا في بني النجّار، ولم يُعرف قاتله، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء أخيه مِقْيَس مائة من الإبل دية أخيه، وأرسل إليهم بذلك مع رجل من فهر فلمّا أخذ مقيس الإبلَ عدَا على الفهري فقتله، واستاق الإبل، وانصرف إلى مكة كافرًا فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه يوم فتح مكة، وقتِل بسوق مكة.
أما أولياء القتيل فتطييبا لخواطرهم وتعزية لهم في فقيدهم جعل لهم أمر تنفيذ القصاص إن آثروا ذلك بقوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} الإسراء 33، وخيَّرهم بين القصاص وبين العفو والدية، فإن عفوا عن الدية أو جزء منها فلهم ذلك، وأجرهم على الله تعالى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} البقرة 178. أما عذاب الآخرة فلا ترفعه الدية ولا عفو أولياء الدم، لصرامة الوعيد في حق القاتل، والأمر لله في كل حال.
ولئن كان وعيد قاتل النفس المؤمنة عمدا بالخلود في النار فإن ذلك خاص بمن لم يتب توبة نصوحا، لأن آيات التوبة كلها متضامنة في أنها تجب الآثام، بما في ذلك الشرك والقتل ومطلق الفواحش الأخرى، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} الفرقان 68/ 70.
كما أن فريقا من العلماء يرون وجوب الكفارة في العمد قياسا على وجوبها في الخطأ، وهو ما ذهب إليه الشافعي وأصحابه، لما رواه أحمد عن واثلة بن الأسقع قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم فقالوا: إن صاحبا لنا قد أوجب - أي أوجب النار-، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: