فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 326

الآية ورد مطلقا إلا من كون القتيل من قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق، وهو ما يعم أهلَ الكتاب في أرض الإسلام وغيرَهم من المعاهِدين خارجها، ولم يميز بين أن يكون القتيل مؤمنا أو غير مؤمن، مما جعل فقهاء آخرين يأخذونه على إطلاقه، ويرون أن دية القتيل غير المسلم تسلم إلى أهله المعاهدين، حفاظا على ما بينهم وبين المسلمين من المواثيق التي جعلت دماءهم مصونة كدماء المسلمين، ويقوي هذا الاتجاه في تفسير الآية ما ورد من أن النبى صلى الله عليه وسلم ودى بعض القتلى من المعاهدين، ولكن من غير أن يأمر بعتق رقاب مؤمنة بعددهم. مما يشير إلى أن هذا التشريع نزل سنة نبوية أولا، ثم أضافت إليه الآية عتق الرقاب المؤمنة.

ثم رجع الوحي الكريم إلى التيسير والتخفيف فقال تعالى:

{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} فمن لم يجد رقبة مؤمنة يحررها أو لم يتسع ماله لذلك {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} فيجزيه صيام شهرين متتابعين لا يتخللهما فطر إلا لضرورة شرعية كمرض أو حيض، فإن ارتفع سبب الإفطار عاد إلى الصيام متتابعا من جديد {تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} أي تشريعا منه تعالى لأحكام توبة عباده وتطهيرهم مما قد يرتكبونه من آثام، ولفظ: {توبة} من حروف ثلاثة هي التاء والواو والباء كلمةٌ تدلُّ لغة على الرُّجوع. يقال تابَ مِنْ ذنبه، أي رَجَعَ عنه، وقد استعملت في القرآن على ثلاثة أوجه: بمعنى شرع لهم أحكام التوبة في قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} التوبة 118، وبمعنى الرجوع إلى الحق في قوله: {وَتُوبُوا إلَى اللهِ جَمِيعًا} النور 31، وبمعنى قبول التوبة في قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} التوبة 117، {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا} بمن قتل خطأ أو عمدا وبما يحقق مصلحة عباده {حَكِيمًا} لا يشرع إلا ما كان نافعًا ومحققًا للخير في الحال والمآل في الدنيا والآخرة.

والحالة الرابعة هي حالة المسلم يقتل أخاه المسلم عمدا، وهي كبيرة لا ترتكب مع إيمان، لأنها تنكر صريح لآصرة العقيدة بين المسلمين، وعدوان على حرمة آثرها الله بولائه فقال: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} البقرة 257، وقال فيما رواه عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) ، لذلك لم يجعل الله لها كفارة من دية مهما بلغت قيمتها، أو عتق رقاب ولو تعددت، أو صيام مهما طال، وأوكل أمر عقابها إلى حساب الآخرة، فقال عز وجل:

{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} وقد جمع الله تعالى في هذه الآية ما لم يجمع في غيرها من التهديد بالخلود في جهنم والوعيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت