فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 326

والسلام: (من هذا؟) فقال: ابني، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه) أي: أن أثر جنايتك لا يتعدى إلى ولدك وبالعكس.

وقد روي في سبب نزول هذه الآية أن حذيفة بن اليمان كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار، فأخذوه وضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلا بعد أن قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ارتفعت مكانة حذيفة عنده، فنزلت الآية. كما روي أن عياش بن أبي ربيعة - وكان أخا أبي جهلٍ لأمّه - أسلم وهاجر إلى المدينة خوفًا من أهله وذلك قبل هجرةِ النبي عليه الصلاة والسلام إليها، فأقسمَتْ أمُّه ألا تأكل ولا تشرب ولا يَأْويها سقفٌ حتى يرجِع، فخرج أبو جهل ومعه الحارثُ بنُ زيدِ بنِ أبي أنيسة فأتياه وقال له أبو جهل:"أليس محمدٌ يحثُّك على صلة الرحم؟ انصرِفْ وبرَّ أمَّك وأنت على دينك"فذهب معهما فلما أبعدوا عن المدينة كتَفاه وجلَده كلُّ واحد منهما مائةَ جلدةٍ، فقال للحارثِ:"هذا أخي فمن أنت يا حارث؟ لله عليَّ إن وجدتك خاليًا أن أقتلَك"، وقدِما به على أمه فحلفت لا يُحَلُّ كِتافُه أو يرتدَّ، ففعل بلسانه ثم هاجر بعد ذلك، وأسلم الحارث وهاجر فلقِيَه عياشُ بظهر قُباءَ ولم يشعُرْ بإسلامه فأنحى عليه فقتله، ثم أُخْبِر بإسلامه، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلتُه ولم أشعُرْ بإسلامه فنزلت {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} .

هذا إن كان القتيل مسلما في قوم مسلمين {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي: كان القتيل مؤمنًا في قوم كافرين محاربين للمسلمين، مثل أن يسلم بينهم ولا يفارقهم، أو يأتيهم بعدما فارقهم لحاجة له فيهم، ولم يَعْلم القاتلُ بإسلامه فقتله، وهذه هي الحالة الثانية من حالات القتل الخطأ، أما حكم الشرع فيها: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فالواجب على القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير. وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية أنَّ جيوش المسلمين كانت تمر بقبائل كافرة، فربما قتل خطأ في حملات الحرب بعض من آمن ولم يهاجر على أنه من الكفار وليس له وارث من المسلمين، فنزلت الآية مسقطة الدية لأنها ميراث، ولا توارث بين مسلم وكافر.

والحالة الثالثة هي قوله تعالى: {وَإِن كَانَ} أي المقتولُ المؤمنُ {مِن قَوْمٍ} غير مسلمين ولكن {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق} أي عهدٌ مؤقتٌ أو مؤبدٌ، وهم المعاهدون لكم على السلم لا تقاتلونهم ولا يقاتلونكم، كما عليه الدول في هذا العصر من معاهدات وحقوق متبادلة {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ} ، فعلى العاقلة دية تسلم لورثته المسلمين إن وجدوا، كما ذهب إليه أبو السعود وبعض المفسرين، لكن نص هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت