يتصدقوا، فأدغمت التاء في الصاد، والتصدق هو إعطاء الشيء صدقة، قال الله تعالى: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين} يوسف 88، أي: إلا أن يعفو أولياء القتيل عن الجاني ويتركوا أخذ الدية ويتنازلوا عنها صدقة منهم لوجه الله، وإشاعة لروح التسامح والعفو بين المسلمين.
والدية لغةً من فعل: ودى يدي دية وأدية، يقال وديت القتيل إذا أعطيت ديته، واتَّديته إذا أخذت ديته. وشرعًا مال من أنعام أو ذهب أو فضة أو أوراق نقدية، يدفع لورثة القتيل، تطييبا لنفوسهم وجبرًا لمصيبتهم فِيه، والاتفاق على أنها تجب في قتل الخطأ كما تجب في قتل العمد إذا كان القاتل غير مكلف كالمجنون والصبي، أو إذا عُفِي فيه عن القصاص كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} البقرة 178. أما مقدارها ونوعها فيختلف بين أن تكون عن الخطأ أو العمد أو شبه العمد، بالإبل أو الشاء أو البقر أو النقود، على خلاف طويل متشعب بين الفقهاء يرجع إليه في كتب الفقه.
والدية بحكم الشرع في المذاهب الأربعة تعطيها العاقلة [[1] ]لورثة القتيل يقتسمونها كسائر المواريث، في أجل أقصاه ثلاث سنين، عملًا بقضاء النبي صلّى الله عليه وسلم بدية الخطأ على العاقلة، وبفعل عمر وعلي رضي الله عنهما إذ جعلاها على العاقلة في ثلاث سنين. وذلك يشيع روح التعاون والتآزر بين أفرادها، ويشعرهم بالمسؤولية عن بعضهم، ويلزمهم بتحمل جنايات كل واحد منهم، وبتربية أبنائهم وتنشئتهم على السلم وصيانة الحقوق وحقن الدماء وعدم العبث بأمن المجتمع. إلا أن جمهور الخوارج يرون الدية واجبة على القاتل وحده، مثلما وجب عليه عتق الرقبة وحده، لأنه الجاني فعلا، والعاقلة لم تصدر عنهم جناية ولا شبه جناية، فوجب أن لا يتحملوها، لقوله تعالى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام 164 وقوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} البقرة 286، ولِمَا رُوِي أن أبا رمثة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابنه فقال عليه الصلاة
(1) - العاقلة: القرابة التي تعقل عن القاتل؛ أي تعطي الدية عنه، وهم عند مالك: العصبات الأربعة: الأب والجدّ وإن علا، والابن وابن الابن وإن سفل، وقد سميت الدية عقلا لأنها كانت عند عرب الجاهلية إبلا تعطى لأهل القتيل حقنا للدماء، وكان القاتل يكلَّف أن يسوق إبل الدية إلى فِنَاء ورثة المقتول، ثم يعقلها بالعُقُل ويسلمها إلى أوليائه، والعِقال حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشدُّ به.