كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى البقرة 178 وهو حق ولي الدم يأخذه أو يتنازل عنه، كما استبعد أحكام الحدود التي هي عقوبات مقدرة واجبة حقًا لله تعالى كما في حالات الزنا للمحصن وغير المحصن وشرب الخمر وقذف المحصنات، واستعاض بالكفارة عن ذلك كله في حالة القتل الخطأ، وهو ما لا يكون الفاعل قد قصده، كما في بعض حالات المسؤولية التقصيرية، كأن يرمي أحدهم صيدا فيصيب إنسانا، أو يهدم جدارا فيسقط على شخص فيقتله، أو يسوق سيارة في جو رديئ الرؤية فيصدم غيره فيقتله.
ولئن أجمع الفقهاء على أن القتل صنفان عمد وخطأ، فإنهم اختلفوا حول وجود وسط بينهما مما أسموه شبه العمد، والإمام مالك لا يقول به إلا في الابن مع أبيه، وعمدته فيما ذهب إليه أن لا واسطة بين الخطأ والعمد، ولا فرق بين أن يقصد القتل أو لا يقصده. أما غيره ممن يثبتونه فعمدتهم أن النيات لا يطلع عليها إلا الله تبارك وتعالى وإنما الحكم بما ظهر. ومن قصد ضرب رجل بعينه بآلة لا تقتل غالبا كان حكمه مترددا بين العمد والخطأ، ويفرقون بين شبه العمد وبين العمد بالآلات التي يقع بها القتل والأحوال التي كان من أجلها الضرب، فعند الحنفية ما كان بأداة لا يقتل مثلها وعند الشافعي ما كان ضربا لم يقصد به القتل فتولد عنه القتل، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا إن قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا والحجر، ديته مغلظة مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها) ، إلا أن هذا الحديث مضطرب ولا يثبت من جهة الإسناد فيما ذكر ابن عبد البر.
وقد اكتفى الشرع الحكيم بمقتضى هذه الآية الكريمة في حالات القتل الخطأ كلها بثلاثة أحكام يمثل مجموعها علاجا شافيا لكل الأطراف المتضررة.
أما المجتمع الإسلامي فقد كان تعويضه عن فقد عضو فيه بتحرير عضو آخر كان أسيرا فأسلم وحسن إسلامه، وهو قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} والرقبة لغة هي العنق، من إطلاق اسم الجزء على كله، والمراد به الأسير أو العبد، لأن الغالب عند جميع الشعوب القديمة أن يوثقوا الأسير من رقبته، وهو عادة مقيد الحرية بإرادة آسره، أما تخليصه من أسره أو عبوديته فأطلقوا عليه مصطلحي"فك رقبة"أو"تحرير رقبة"، أي جعله حرا، متمتعا بكامل حريته، وقد جعل الحق سبحانه بمقتضى هذه الآية تحرير رقبة واحدة كفارة للقاتل وعقوبة مالية له، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين كما سيأتي في ختام هذه الآية، وليس عليه إطعام ستين مسكينا لأنه غير منصوص عليه، وإثباته بالرأي غير جائز.
وأما حق أهل القتيل فقد جعل الله تعالى لهم الدية لتهدئة روعهم وتعزيتهم وتخفيف ما فجعوا به بقوله: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} فرضا واجب الأداء {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} وأصل لفظ يصدقوا: