فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 326

ولئن كان قتل النفس بالحق مأذونا فيه ومأمورا به إذا توفرت أسبابه ومبرراته الشرعية كما في الآيات السابقة وفي غيرها، فإن القتل في غير تلك المواطن لا يعد إلا محاربة للخالق وعدوانا على المخلوق. لذلك ما إن فصل الحق سبحانه أحكام القتل المباح جهادا في سبيل الله أو تطهيرا للصف بقتل المنافقين المحاربين المصرين على تخريب مجتمع المسلمين ما لم يكفوا أيديهم ويجنحوا للسلم، حتى انتقل إلى أحكام عدوان المسلمين على بعضهم وتحريم القتال فيما بينهم.

وما دام الأصل شرعا أن علاقات المسلمين ببعضهم مبنية على المساواة والمحبة والأخوة والتعاون، لا يفرق بينهم لون أو جنس أو وطن أو لسان، فإن الخلاف بينهم مهما اشتد ينبغي ألا يبلغ بهم حد التقاتل، لأن آصرة العقيدة في قلوبهم أقوى وأمتن من أن يغلبها جنوح أو غلو أو مغالاة، أو غضب للنفس أو رغبة في الانتقام أو إيثار أهوج لمصلحة ذاتية، والأصل في المجتمعات المسلمة السوية ألا يقتل المسلم فيها مسلما أبدا إلا أن يكون ذلك خطأ، أما القتل العمد فلا يرتكبه إلا من فقد سواء إيمانه أو سواء عقله ووجدانه. لذلك إتماما لنعمته تعالى على المسلمين، ورحمة ولطفا بهم شرع الوحي الكريم في بيان أحكام القتل في أهم خمس حالات له، ثلاث منها للقتل الخطأ وواحدة للقتل العمد وأخرى لشبه العمد في ساحة الحرب، حفاظا منه تعالى على أمن الفرد والجماعة، وعلاجا لما ينشأ عن هذه الجرائم من مضار اجتماعية وردود فعل غير سوية، فقال عز وجل:

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأ} هذه هي الحالة الأولى من حالات القتل المحرم في مجتمع المسلمين، ومقتضاها أن المؤمن لا يقتل أخاه المؤمن، ولا يجوز له قتله أبدا في أي حال من الأحوال إلا أن يكون ذلك نتيجة خطأ غير مقصود. وهو الاحتمال الوحيد لما يمكن أن يقع بين المسلم وأخيه المسلم، لأن عمق الأواصر الإيمانية بينهما ومشاعر المحبة التي تملأ وجدان كل منهما نحو الآخر ومتانة الأخوة التي رباهما عليها الكتاب والسنة تجعل الإقدام على قتل أي منهما للآخر بعيد الاحتمال إلا أن يكون خطأ، إلا أن عذر الخطأ هذا لا ينفي أن القتل قد وقع فعلا، وأن أقارب القتيل تضرروا بفقده وجدانيا وماديا، وأن القاتل قصر في التحرز من القتل أو أن أهله قصروا في تربيته على التثبت وضبط التصرفات بما يصون حقوق الغير ويحفظ أمنهم، لذلك كان العلاج الرباني لمثل هذه الحالات ثلاثي الأبعاد يتناول المجتمع الذي فقد أحد أعضائه وتأثرت بفقده إنتاجيته، كما يتناول أهل القتيل ومصابهم بفقده، والقاتل وأقاربه كفارة وعقوبة، فقال عز وجل:

{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} لقد استبعد الوحي الكريم في هذه الآية حكم القصاص الواجب في القتل العمد بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت