أرض الكفر ومواطن الاستضعاف والظلم، مستمرة وواجبة في كل حالة يعجز فيها المؤمن عن تأمين دينه ونفسه وأسرته، كما في آيات أخرى من هذه السورة يأتي أوان شرحها بتفصيل.
ثم استثنى الحق سبحانه من أمره بالأسر والقتل لهذه الطائفة من المنافقين ثلاث فئات أفرد لكل منها حكما خاصا، فقال عن الأولى:
{إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} أي الذين يلتحقون بقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق موادعة ومسالمة أو يلجؤون إليهم، كالذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين هلال بن عويمر الأسلمي من عهدٍ على أنه لا يُعينه ولا يُعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجِوار مثلُ الذي لهلال.
وقال عن الفئة الثانية: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} أو قوم جاءوكم إلى المدينة مهاجرين كافّين عن قتالكم وقتالِ قومِهم، وقلوبهم حرجة عن قتال الطرفين، وتعهدوا ألا ينصروا أحدهما على الآخر.
لقد كف الله تعالى عن المؤمنين رحمة بهم وتخفيفا عليهم أيدي هذين الفربقين من المنافقين {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} ولو شاء عز وجل أن يسلطهم عليكم لتجرؤوا على قتالكم ولأجلبوا عليكم بخيلهم ورجلهم، وفتحوا عليكم جبهات حربية أخرى، ولكنه تعالى عدلا وإنصافا لهاتين الفئتين كف أيدي المسلمين عن قتالهما فقال:
{فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ} لم يتعرضوا لكم بأذى {فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} لم يرفعوا في وجوهكم سلاحا ولم يعينوا عدوكم على قتالكم {وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} وسالموكم فلم يُخِلّوا بأمنكم بأي وجه من الوجوه {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} فإن الله لم يجعل لكم طريقا إلى قتلهم أو قتالهم أو أخذهم أسرى، أي أن كلا الفريقين يعاملان بمقتضى قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} البقرة 190.
أما الفئة الثالثة التي استثناها الله تعالى من الأخذ والقتل ما اعتزلوا المسلمين ولم يقاتلوهم أو يعينوا عليهم فهي التي قال عنها جل جلاله عقب ذلك:
{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} طائفة أخرى من المنافقين غير الطائفتين السابقتين، قيل إنهم أسد وغطفان، وقيل بنو عبد الدار ممن كانوا حول المدينة قبل أن يخلص إسلامهم {يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ} كانوا كلما أتوا المدينة أظهروا الإسلام ليأمنوا المسلمين، وكلما رجعوا إلى قومهم خافوا مخالفتهم فعبدوا الأصنام معهم وهم مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ}