والفتنة في هذا السياق كناية عن الاختبار والامتحان، أي كلما تحرروا من فتنة الكفر وأعلنوا إسلامهم ثم رجعوا إلى كفار قومهم {أُرْكِسُوا فِيهَا} طغى عليهم ضعفهم وعادوا للانغماس في الفتنة والكفر البواح مرة أخرى، وكشفوا للمشركين أحوال المسلمين في حالات السلم والحرب، هذه الفئة من المنافقين هم الذين قال فيهم الحق سبحانه أيضا: {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} الحج 11، وقال: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} البقرة 14/ 15، وهي من أشد الفئات نفاقا، لِما يتميزون به من صفاقة وجرأة وقدرة على التلون والكذب والمراوغة، لذلك أفرد الحق سبحانه حكم معاملتهم بأقوي وأغلظ وأشد تعبير فقال عز وجل:
{فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} اعتزال مسالمة لا استعلاء فيها ولا أذى {وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} ويحافظوا على أمنكم وسلامتكم في السر والعلن {وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ} عن قتالكم وعن الإضرار بكم بأي وجه من الوجوه {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ} خذوهم أسرى واقتلوهم إن تمكنتم منهم {حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أنى وجدتموهم {وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} والسلطان لغة ذو معنيين، قوة الغلبة والقهر، وقوة الحجة، والمعنى أن الله تعالى جعل للمسلمين على المنافقين القوة البينة الواضحة بشقيها قهرا وحجة.
قد يلاحظ المرء شبهة تناقض في الموقف من المنافقين في هذه الآيات بين الأمر بأسرهم أو قتلهم ما لم يكفوا شرهم عن المسلمين، وبين الأمر بمجرد الإعراض عنهم في الآية 81 السابقة من نفس سورة النساء وهي قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} ، ولكن التأمل البسيط يكشف أن ما ظُنَّ تناقضا ليس إلا اختلافا للحكم باختلاف ظروف ارتكاب جريمة النفاق، وأن الاكتفاء بالإعراض عنهم يكون في حالات السلم والأمن الاجتماعي، أما مؤاخذتهم بالشدة والحزم فتقتضيها ظروف الحرب التي تخوضها الجماعة المؤمنة دفاعا عن وجودها وسلامة أرضها وأمن أعضائها واستقلالية قرارها. وهو ما يعبر عنه في القوانين الوضعية الحديثة بجرائم الحرب والخيانة العظمى. ولئن كانت هذه القوانين الوضعية أكثر قسوة وشراسة فلم تفرق بين حالات الحرب والسلم في أمر الخيانة العظمى تجسسا للأعداء، أو تخريبا ماديا أو معنويا للأمة، وأدرجتها كلها تحت عقوبتى الإعدام والمؤبد، فإن الإسلام كان أكثر رحمة وإنصافا، إذ اكتفى في حالات السلم بالإعراض عنهم