تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا إلى الجنة. إنهم لم يكتفوا بالكفر في أنفسهم بل انقلبوا محاربين لدعوة الإسلام يريدون استئصال الدين من الأرض وإعادة أهله إلى الكفر، ولذلك عقب تعالى بقوله:
{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} إن هدفهم الذي يسعون له أن يوقعوا بينكم الفتنة، وأن يردوكم عن دينكم فتعودوا كفارا مثلهم. وهذه الآية من أكثر الآيات تصريحا بكفر المنافقين، لأن النفاق لم يترك لهم إلا التظاهر بالإسلام، وقلوبهم منطوية على الكفر البواح، ولئن عوملوا أحيانا في الدنيا بظاهر أمرهم حفاظا على السلم الاجتماعي فإن الله تعالى قد بوأهم الدرك الأسفل من النار، قال عز وجل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} النساء 145. ومن كان هذا حالهم:
{فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} عليكم ألا تتخذوا منهم أنصارا أو أعوانا أو مستشارين، وألا تثقوا بأحد منهم حتى يهاجروا إلى المدينة مثلكم، واشتراط الهجرة هنا دليل على أن الآية في فريق تخلف في مكة قبل الفتح كان يظهر الإسلام للمسلمين والشرك للمشركين، ولذلك وضعهم الوحي أمام اختبار حاسم، عقب ادعائهم الإسلام هو أن يهاجروا من أرض الكفر ويلتحقوا توثيقا عمليا لإيمانهم بأرض الإسلام وينضموا للجماعة المؤمنة ويخضعوا لنظامها.
{فَإِنْ تَوَلَّوْا} فإن أعْرَضُوا عن التوحيد مقرونا بالهجرة {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} خذوهم أسرى إن تمكنتم منهم واقتلوهم في الحل والحرم إن واجهتموهم في الحرب {وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} ولا تولوا أحدا منهم أمرا من أموركم، ولا تتخذوه وليا أو نصيرا لكم في السلم والحرب.
ولئن كانت الهجرة من مكة إلى المدينة في العهد النبوي واجبة لظروف تتعلق بتأسيس المجتمع الإسلامي الجديد، وضرورة بناء الدولة العقدية المكلفة بهداية الناس وإقامة الشهادة وإعادة تربية المسلمين بعيدا عن شغب الشرك ومعتقداته وعاداته وتقاليده، فإن الهجرة بعد فتح مكة لم يبق لها مبرر، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) . إلا أن طبيعة دعوة الإسلام بمنهجها للحياة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم تستثير أعداءها في كل عصر فيحاولون الإجهاز عليها، كعادتهم دائما مع الرسل وأتباعهم كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} إبراهيم 13، وقال: {قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} النمل 56، لذلك نرى أن الهجرة بمقتضى هذه الآية الكريمة، من