الخروج إلى البادية للاستشفاء بجوها من أمراض أصابتهم بالمدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة بعد مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، وآخرين رجعوا بثلث الجيش مع عبد الله ابن أبي يوم أحد، وغيرهم هاجروا إلى المدينة ثم رجعوا بدعوى الاشتياق إلى الأهل والوطن، وآخرون في مكة أظهروا الإِسلام وقعدوا عن الهجرة، فاختلف المسلمون في إسلامهم والحكم عليهم وطريقة معاملتهم، ورأى البعض أن من الحزم الضرب على أيديهم وإنهاء نفاقهم، ورأى آخرون تركهم ومطاولتهم ما داموا يظهرون الإِيمان لعلهم يثبتون عليه ويهاجرون مستقبلا، فلما اشتد الخلاف في شأنهم أنزل الله تعالى معاتبا من توقف عن الجزم بتكفيرهم قوله:
{فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} والفئة: الطائفة والفرقة والجماعة، أصلها من الفاء والهمزة مع حرف علة بينهما وهي كلمة تدل على الرجوع،، فتقول: فاءَ يَفيء فَيْئا وفُيُوءًا، أي رجع وكلُّ رجوعٍ فَيْءٌ، قال الله تعالى: {حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ} الحجرات 9، أي ترجع إليه، ومنه قيل للظِّل الذي يكون بعد الزوال: فَيْء لأنه يَرْجع من جانب الغَرْب إلى جانب الشَّرق، كذلك كلمة فئة بمعنى الجماعة مشتقّة من الفيء وهو الرجوع، لأنّ أفرادها متكتلون ويرجعون إلى بعضهم في كل شؤونهم. ووزنها الصرفي"فِلَة"، حذفوا عين الكلمة وهي الياء من وسطها وعوّضوا عنها الهاء. والاستفهام في هذه الآية إنكاري لانقسام المسلمين في أمر المنافقين، ومعناه: ما بالكم يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم انقسمتم فريقين في الحكم على المنافقين؟، والمراد منه وجوب إجراء المنافقين مجرى المجاهرين بالكفر في جميع الأحكام، وإنكار أن يكون للاختلاف في كفرهم مبرر وقد حكم به ربهم تعالى وقال:
{وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} وقوله تعالى: {أَرْكَسَهُمْ} من الارتكاس وهو التحول من حال حسنة إلى حال سيئة كالكفر بعد الإِيمان، لأن الركس هو رد الشيء مقلوبًا، وقَلْبُ الشَّيْءِ على رأسِه، أَورَدُّ أَوَّلِهِ علَى آخِرِ. والمعنى: كيف تختلفون في كفر المنافقين والله تعالى تخلى عنهم وردهم عن بابه منكوسين منقلبين على أعقابهم خائبين {بِمَا كَسَبُوا} بسبب ما كسَبوه من إثم اللّحوقِ بالمشركين والاحتيالِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإصرار على الكفر بعدما آمنوا، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} المنافقون 3.
لقد ختم الله على قلوبهم لِما أصروا عليه من الكفر والنفاق والخداع وأنتم أيها المسلمون مختلفون في أمرهم ومنقسمون فئتين، تودون أن يتوبوا ويهتدوا {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ؟} والله طردهم من رحابه، ولا مجال لهداية من ارتد واختار الضلالة وأصر عليها وفرح بها بعد أن آمن، لقد أضله تعالى عن طريق الجنة وهداه إلى طريق النار جزاء ما اكتسب من الآثام وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ