عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا البقرة 217، وليس لهم إلا أن يتأهبوا كما يتأهب الأعداء ويقاتلوا كما يقاتل الأعداء، قال عز وجل: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} التوبة 36، وقال صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) . وذلك سبيلهم لكف شر أعدائهم المتربصين بهم، ولحماية أنفسهم من العدوان، وحماية المظلومين والمستضعفين من الاضطهاد والاستعباد، ثم بين الحق سبحانه علة الأمر بالقتال وهي رجاء كسر شوكة المشركين وكف شرهم فقال:
{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ولفظ"عسى"من أفعال المقاربة والترجي مستعارة للإطماع والوعد من الله بالنصر القريب، وإطماعُ الكريم إيجابٌ، والوعدُ منه عز وجل واجبُ التحقق، والآية في ظرف نزولها بشارة بفتح مكة وإعداد له، وقوله تعالى بعدها {وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا} تأكيد لتحقيق الرجاء والوعد، أي أنه تعالى أشد قوة وبطشا بالمشركين {وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} أي أشد عقابا لهم، ولفظ التنكيل من أصل الفعل: نكَل يَنْكُل نُكولًا عن العدو أي جبن، ونكَّلته عن الشيء: صرفته عنه، والنَّكال اسم لما جعلْتَه نَكالًا لغيره إِذا رآه خاف أَن يعمل عمله، ونَكَّل به تَنْكِيلًا إِذا جعله نَكالًا وعِبْرة لغيره، يقال نَكَّلْت بفلان إِذا عاقبته في جُرْم أَجرمه عُقوبةً تُنَكِّل غيره عن ارتكاب مثله، والنِّكل هو القيد الذي يمنع الإنسان أن يرتكب الجريمة مرة أخرى، أي إن الله تعالى بعذابه للمشركين أشد منعا لهم من العودة إلى العدوان على المسلمين.
وما دام التحريض على القتال يستدعي من المستجيبين له أن ينضم بعضهم إلى بعض في تكتل عسكري متراص، فقد بين الحق تعالى أجرَ الاستجابة لدعوة الجهاد والتعاون عليه، ووزرَ المتخلفين عنها والمشككين فيها فقال:
{مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} ولفظ شفع يشفع يدلّ على مقارنة الشيئين، من ذلك الشَّفْع خلاف الوِتْر وهو ضم الشيء إلى مثله فتقول: شَفَعَه شَفْعًَا كَمَنَعه أي كان وترًا فصَيَّرَه زَوْجًَا، وقوله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً} أي: من انضم إلى أخيه وعاونه على الجهاد وصار له شفعا فيه، لأن الشفاعة الحسنة في هذا السياق هي الاستجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بالانضمام إلى المقاتلين {يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} يكن له نصيب من ثمار هذه الدعوة وآثارها في الدنيا نصرا وعزا ومغانم، وفي الآخرة أجرا وفيرا وجنة عرضها السماوات والأرض. {وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} والكفل هو النصيب المساوي، إشارة إلى قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الشورى 40 أي: ومن يدع للتخلف