خطابهم للرسول عليه السلام والتطيرَ منه وإنكارَهم انفراد الله عز وجل بالأمر كله ابتلاء بالخير والشر والأمن والخوف، ووبخهم بإعراضهم عن تدبر القرآن وفهم معانيه ومراميه، وانسياقهم خلف أهوائهم عصيانا ونشرا للأراجيف والشائعات بغية فتنة الصف المسلم وإضعافه، ثم بعد قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} عاد للأمر بالقتال فخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بطريق الالتفات غير حافل بما يضعه المنافقون في طريقه من العوائق تثبيطا لأصحابه وتبطئة وتخويفا بقوله:
{فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: وإذا أصر المثبطون على التخلف والمترددون على الخوف والقعود، فقاتِلْ في سبيل الله وحدك غيرَ مكترثٍ بما فعلوا {لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} ليس عليك شيء من إثم أتباعك إن تولوا عنك، ولست مسؤولا إلا عن نفسك فادفع بها إلى ساحة القتال مطمئنا بنصر الله لك، وما النصر بكثرة العدد والعدة، إن هو إلا من الله، إن شاء نصرك وحدك وإن شاء نصرك ومعك الجيوش والجحافل: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} آل عمران 126. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عند خروجه لغزوة بدر الصغرى وقد آنس من بعض أصحابه ترددا: (والذي نفسي بيده لو لم يخرج معي أحد لخرجت وحدي) ، واقتدى به صاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه في قتال أهل الردة فقال للصحابة رضي الله تعالى عنهم:"والله لو لم أجد إلا هاتين - يعني ابنتيه عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما - لقاتلتهم بهما".
إن القتال لإنقاذ المستضعفين من نير الظلم والقهر وربقة الشرك والاستعباد كان بمقتضى هذه الآية الكريمة واجبا على الرسول صلى الله عليه وسلم وقد نهض به خير قيام، لكن عليه أيضا واجبا آخر بمقتضى طبيعة رسالته، وهو تبليغ المؤمنين أمر القتال من ربهم كيلا يقعوا فيما وقع فيه بنو إسرائيل إذ قالوا لموسى عليه السلام: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} المائدة 24، ولذلك خاطبه الحق تعالى عقب ذلك بقوله:
{وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} على القتال، والتحريض على القتال هو الحضُّ والحث عليه وعلى مداومته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} الأنفال 65، ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلم في غنى عن مشاركتهم له في القتال، لأن ربه كفاه أمر عدوه ووعده بالنصر، فإن المؤمنين ليسوا أغنياء عن أجر الجهاد ومراتب الشهداء، كما أن المسلمين كافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم معنيون بهذا التحريض ومطلوب منهم الاستجابة له، لأن طبيعة رسالتهم إلى البشرية جعلتهم مستهدفين من أعداء الكفر والضلال في كل عصر، قال تعالى: وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ