عن القتال والتبطئة والتثبيط ويحرض على الانضمام للمخلفين والمنافقين يكن له عدل دعوته وزرا وسيئات. وقد نقل الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما معنى آخر للآية هو أن الشفاعة الحسنة أن يشفع المسلم إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع نفاقه بمحبة الكفار وترك قتالهم، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} والمقيت هو الشهيد والحفيظ والقادر والحسيب والرقيب، أي إن الله شهيد على أعمال الخلق لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم إن كان الشافع يشفع في حق أو في باطل، حفيظ عليه يجازيه بما هو أهله، قادر على إيصال النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع والمشفوع فيه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
إلا أن النصر في القتال لا يكفي فيه انضمام المؤمنين إلى بعضهم في الصف بالأجساد، وإنما لا بد فيه من أن تأتلف قلوبهم بالمحبة والأخوة الصادقة ولئن كانت تسوية الصفوف واجبة بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} الصف 4، فإن تسوية القلوب بالمحبة وأخوة الإيمان أوجب، قال تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} الأنفال 63، لذلك دلهم الحق سبحانه على ما يقرب القلوب إلى بعضها في الحرب والسلم وهو تبادل التحية وإفشاؤها بينهم، فقال عز وجل:
{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} وتحية الإسلام أن تقول لأخيك:"السلام عليكم"، كما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ دخل عليه عمير بن وهب قبل أن يسلم فقال:"أنعموا صباحا"وكانت تلك تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة) ، وقال تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} النور 61، وقال عن أهل الجنة: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} الرعد 23/ 24.
إن تبادل التحية بالسلام بين المؤمنين يحببهم إلى بعضهم، ويخصب بذور التعاون والتآزر في نفوسهم، كما يرفع معنوياتهم القتالية في مواجهة أعدائهم، إذ يخوضون الحرب في حالة من الرضا ببعضهم والثقة بقوة التناصر بينهم، مما شرحه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) .