فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 326

تأنوا وردوا ما بلغهم إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم، أو إلى هديه وسنته بعد وفاته، أو إلى أصحاب الشأن، ممن لهم خبرة بالقضايا العامة، حسب اختصاصهم، قادة أو علماء أو فقهاء أو رجال دولة {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ} لعلموا خلفية ما بلغهم وأسبابه ومسبباته ومآلاته ومقاصده، وما يرمي إليه مروجوه، ولانقشع اللبس وانكشف ما يحيكه المنافقون ويبيته المبطلون. وذلك ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ شاع أن النبي الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، فدخل عليه وقال: أطلقت نساءك؟، قال: (لا) ، فقال على باب المسجد:"إن رسول الله صلى عليه وسلم لم يطلق نساءه".

لقد كان لنزول هذه الآيات الكريمة بما فيها من كشف لمناورات المنافقين ومكرهم بالمجتمع المسلم قيادة ومجاهدين أثر إيجابي بالغ وفضل عظيم، تراصت به صفوفهم وتحصنت به وحدتهم، وضعفت به قوة أعدائهم، ولذلك امتن الله تعالى عليهم بهذا الفضل الذي شملهم به والرحمة التي أسبغها عليهم فقال عز وجل:

{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} والخطاب في هذه الآية بطريق الالتفات إلى عامة المسلمين من غير المنافقين يبين لهم أن من رحمة الله وفضله أن كشف لهم صفات المندسين في صفهم وأرشدهم إلى طريق الحق في معاملتهم، ولولا ذلك {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} فضللتم عن الحق ولم تهتدوا إلى سنن الصواب وعاث المنافقون فيكم بالفتن {إِلَّا قَلِيلًا} أي: إلا في قليل من الأحوال التي تضعف فيها بعض النفوس فتنساق إلى الخطأ غفلة أو تسرعا.

لقد عالجت هذه الآيات الكريمة أربعة أمراض قي المجتمعات الإسلامية منذ عهد البعثة النبوية إلى عصرنا هذا وإلى ما يليه ما دام للإسلام والمسلمين وجود على الأرض، هي الخلف بين القول والفعل جبنا وخشية مما سوى الله تعالى، والطعن والتشكيك في صاحب الدعوة والتطير منه، وإظهار الطاعة وتبييت العصيان، وبث الأراجيف والإشاعات والأكاذيب في الصف المسلم بغية فتنته وتفتيته، وهي أمراض مصدرها المنافقون بكل فئاتهم، المنافقون جبنا أو انتفاعا أو كفرا، أو غيظا من الصادقين وحقدا على الثابتين القابضين على الجمر. وكما تجلى خطرها وآثارها سابقا، ما زالت سمومها تنخر جسد الأمة وتخرب حركة الصحوة الإسلامية المعاصرة وتعوق مسيرتها، وتُقَدِّم قادتَها والعاملين لها قرابين على مذابح الظالمين، من أجل مكسب دنيوي مالا أو جاها أو منصبا، تحت مسميات مموهة وتبريرات متشيطنة، تحوَّل يها بعض أغرار الدعوة إلى مسوخ بشرية في طوابير طويلة ينتظرون فتات موائد الفسقة والظالمين، بعد أن كانوا من خيرة الزهاد والعابدين. ولئن كان لكل داء دواء من القرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت