فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 326

ترشيدها وإعلائها وتطويرها، دليل آخر على أنه من الحق سبحانه، إذ لو كان من غير الله لتجلت فيه صفات البشر نقصا واختلافا وتناقضا ومصادمة للفطرة ومصالح الناس. ولئن عَرَضَت لأحدٍ شبهةٌ وظن اختلافًا في شيء من القرآن، فليتهم نظره وقصور فقهه، لأن ما ظنه اختلافا ليس إلا لتغير أحوال الناس وظروف القضايا وتنوع الأحداث الواجب ضبطها بمقاصد الشريعة وحكمتها وأحكامها. ولما كان القرآن هو دواء القلوب المريضة وسر صفاء الأفئدة السليمة وثباتها على الحق، فقد أمر الحق سبحانه المنافقين بتدبر معانيه لعل مرضهم ينجلي والغشاوة عن أبصارهم تنقشع، فيتطهروا من أكدار الشرك وغباوة حب الدنيا وشقاوة الغفلة عن الآخرة، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} محمد 24.

بهذه الآية الكريمة فرض الحق سبحانه على كل من بلغه القرآن مسلما أو غير مسلم أن يتدبره ويفهم معانيه ويستوعب منهجه للحياة، لأنه حجة له أو حجة عليه يوم القيامة، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (هل لك يا عائشةُ أن تأذني لي الليلةَ في عبادة ربي؟) ، فقلت:"يا رسولَ الله إني لأُحِبُّ قُربَك وأحِبُّ هواك، قد أذِنت لك"، فقام إلى قِربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يُكثر من صب الماءِ، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموعُ حَقْوَيه، ثم جلس فحمِد الله تعالى وأثنى عليه، وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعَه قد بلت الأرضَ، فأتاه بلالٌ يؤْذِنه بصلاة الغداةِ فرآه يبكي فقال له:"يا رسولَ الله أتبكي وقد غفَر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟"فقال: (يا بلال، أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟) ، ثم قال: (ومالي لا أبكي وقد أنزل الله تعالى عليَّ هذه الليلةِ {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... } آل عمران 190، ثم قال:(ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها) ، وفي رواية: (ويلٌ لمن لاكها بين فكّيه ولم يتأملْها) .

ويمضي السياق يصور حال الطائفة الثالثة من المنافقين بقوله تعالى:

{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} وهو حال المنافقين إذ كانوا يتسقطون عورات المسلمين في حالات السلم والحرب، ويتلقفون أخبار السرايا التي توجهت للجهاد، من نصر وغنيمة أو أمن وخوف أو قتل وهزيمة، فيعيدون صياغتها حسب أهواءهم ويتخذونها أداة لحربهم الإعلامية على المسلمين، بإشاعة الأراجيف التي من شأنها أن تربك الصف وتضعف معنويات جهلة العامة وأغرارهم، من الذين يتلقفونها وينشرونها سذاجة دون تمحيص أو تبين وتثبت، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم عن فعلهم: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) ، وهذه الآية تنكر فعل من يبادرون إلى ما يصلهم من أسرار أو أخبار أو أحداث فيفشونها وينشرونها قبل التأكد من صحتها وعدم إضرارها بالمسلمين. ولو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت