حسابهم من أمر الله تعالى وهو القائل: {وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} الرعد 40، والقائل: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} السجدة 22.
أما الخصلة الأخرى من خصال لمنافقين فهي التظاهر بالطاعة وإضمار العصيان، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} يقولون إذا أمرتهم: سمع وطاعة، أو سمعنا وأطعنا {فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ} غادروا مجلسك وتواروا عنك {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ} والتبييتُ من البيتوتة وهي قضاءُ الأمرِ وتدبيرُه بالليل، أي: استسر فريق منهم غير ما قلت لهم وأضمروا عصيانك {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} يعلمه ويكتبه عليهم ويُثبتُه في صحائفهم فيجازيهم بما يستحقه نفاقهم وكفرهم، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} النور 47.
لا شك أن هذا العصيان والتآمر المبيت ليلا مما يثير حفيظة الصادقين، ويستفز المخلصين الحريصين على نجاح الدعوة والتمكين لها، ولكن حكمة الله تعالى وهو الأعلم بعباده تقتضي إمهال المنافقين ومطاولتهم بالإعراض عنهم وأخذهم بظاهر ما يبدون، والتغاضي عما يُعْلَم من حقيقة نواياهم وتبييتهم، لعلهم يتدبرون ما أنزل من القرآن فيتعظوا ويتوبوا، ولذلك أمر الحق سبحانه نبيه عليه السلام بقوله:
{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} انصرف عن الانشغال بأمرهم ولا تكترث بمكرهم أو تخش عداوتهم أو تحزن لخلافهم {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} وحده، ولا تتوكل على طاعتهم أو نصرتهم {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} يكفيك اعتمادك وتوكلك على الله تعالى ونصرته إياك. أما المنافقون الذين يظهرون خلاف ما يبطنون فإنما آفتهم وضلالهم في الإعراض عن تدبر ما يتلى عليهم من القرآن، قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} محمد 16، لذلك دعاهم الحق سبحانه إلى تدبر القرآن وفهمه لعل الغشاوة التي على قلوبهم تنقشع وتنجلي، بقوله عز وجل:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} هلا تدبروا القرآن الكريم بعقولهم ليعرفوا أنه من ربهم عز وجل. إن العاقل إن تدبره لا يخفى عليه إعجاز ألفاظه وتعابيره ومعانيه وما أتى به من منهج للحياة يناسب كل جيل وكل بيئة وكل مجال وكل مستوى علمي أو ثقافي. ولا يغيب عنه عدم تعارضه مع الحاجات البشرية السوية أو خصائص الشعوب وحقوقها، كما أن تناسقَه وتكامله وعدم اختلاف معانيه وتوجيهاته، ومرونتَه لاستيعاب كل ظاهرة اجتماعية بغية