فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 326

الكتاب والحكمة ويطهركم ويزكيكم، وليس له من أموركم شيء، لذلك التفت الوحي الكريم يخاطبه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:

{وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ} كافة {رَسُولًا} من ربك تبلغهم رسالته وتعلمهم الكتاب والحكمة كما قال تعالى في مواطن أخرى من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} وقوله: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} الجمعة 2.

ثم عقب عز وجل بقوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} تكفيك شهادة الله تعالى على صدق رسالتك وتمام تبليغك وعدم تقصيرك في الإرشاد والتعليم بشارة ونذارة، وعلى مدى استجابة الناس لما دعوتهم إليه وطاعتهم لما أمرتهم به، وإذا شهد الحق جل جلاله لرسوله بذلك كُفِيَ واستغنى عن شهادة غيره. أما أمر الهداية والاستجابة فليس إلا لله تعالى كما قال في آية أخرى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ القصص 56.

ولئن كانت وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم هي التبليغ وما يقتضيه من بشارة ونذارة وتعليم وإقامة شهادة، من غير أن يشارك الله تعالى في خاصية من خصائص الألوهية والربوبية، فإن طاعته مما لا يستغني عنها أداء الرسالة، لأنه ما جاء إلا ليبلغ ما أمر الله به، وطاعته في حقيقتها طاعة لله، لذلك عقب الوحي بقوله تعالى:

{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} على الجزم والتأكيد، ومن يعصه فقد عصى الله، وليس هناك طريق آخر لطاعة الله غير طاعة رسوله، وفي ما أخرجه البخاري عن جابر في حديث الملائكة الذين جاؤوه صلى الله عليه وسلم وهو نائم وقالوا: ( .... فالدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمدا صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم فرق بين الناس) ، كما روي أن هذه الآية نزلت عندما قال صلى الله عليه وسلم: (من أحبّني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاعَ الله) فقال المنافقون:"ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشركَ وهو ينهي أن يُعبَدَ غيرُ الله، ما يريد إلا أن نتخِذَه ربًا كما اتخذت النصارى عيسى".

{وَمَنْ تَوَلَّى} التولّي حقيقته الانصراف والإدبار، أي من انصرف عنك وأعرض عن طاعتك {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} فقد خرج أمرهم عن دائرة مسؤوليتك، وليس لك أن تحفظ عليهم أعمالهم أو تحاسبهم عليها، قال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} ، لأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت