مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ الحج 11،"كان الرجل يَقْدَم المدينة فإن ولدت امرأته غلامًا ونُتِجَتْ خيلهُ قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تُنْتَج خيلهُ قال: هذا دين سوء".
لذلك عقب الحق سبحانه بتصحيح هذا التصور الفاسد وشجب غباء أربابه وضلالهم بقوله عز وجل:
{قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصحح تصورهم الفاسد، ويرشدهم إلى الحق، ويبين لهم أن كل ما أصابهم من خصب ورخاء أو جدب وقحط من الله تعالى حسب حكمته في تدبير الكون، رحمة ولطفا وتفضلا، أو ابتلاء وتطهيرا، أو مجازاة وانتقاما، من غير أن يكون لأحد من خلقه مَدخَل في قوع شيء من ذلك، وليس للمؤمن إلا أن يقيد النعمة بالشكر، ويدفع البأس بالتضرع والرجاء، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} الأنعام 42/ 43.
ثم يعقب الوحي تعجيبا لغبائهم وعجزهم عن فهم ما يبينه القرآن واستيعاب ما يرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وتدبر حكمة الله في الخلق، بأسلوب استفهامي يقرر هذا القصور العقلي لديهم ويؤكده بقوله تعالى: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} .
وبعد أن بين الحق سيحانه مصدر النعم والبلايا، عرج على مصدر الحسنات والسيئات التي يصيبها الإنسان فقال تعالى مخاطبا الناس كلهم بصيغة المخاطب المفرد، تأكيدا لفردية العمل وفردية الحساب والجزاء:
{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} لأنه تعالى هداك إليها يلطفه وإرشاده وهديه، وأقدرك على كسبها بوافر إحسانه، وكتب لك الجزاء الأوفى على فعلها بكرمه وجوده، فكانت المنّة لله وحده في كل الأحوال، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (قاربوا وسددوا فإنه ليس أحد منكم بمنجيه عمله) قالوا:"ولا أنت يا رسول الله؟"قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) .
{وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} ما أصابك من سيئات وأحاط بك من آثام، جلَبَتْه لك نفسُك، بإعراضك عن الهدي النبوي، واتباعك أهواءك، ونسيانك أمر الآخرة وما ينتظرك فيها.
وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد مفاد هذه الآية كقوله تعالى: {وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ} الشورى 30، وقوله تعالى: {أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} آل عمران 165. ولا مبرر من عقل أو دين للتطير من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نسبة ما يصيبكم إليه، فإنما هو مجرد رسول من ربكم يبلغكم