فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 326

{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} لا منجىً من الموت الذي يفر له المنافق من القتال إذا ما استوفى أجله، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الجمعة 8، لقد غُيِّبَ عن المرء زمنه ومكانه وحالته، في سفر أو حضر أو ليل أو نهار، فلا يدري متى ينفرد في قبره ويخلو إلى عمله، ليكون المؤمن على أهبة له في كل آن وحال، ويشتاق إلى ما شوقه إليه ربه ويخاف مما خوفه منه في كل لحظة، فينعكس ذلك في نواياه وأعماله، قال صلى الله عليه وسلم: (اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحريّ أن يحسن صلاته، وصلّ صلاة رجل لا يظن أنه يصلي غيرها) ، والفرق بين المؤمن وغيره في مواجهة الموت أن الأول موقن بأن أجل الله إذا جاء مُسَمًّى لا يقدَّم أو يؤخَّر، فيؤثر أن يكون الموت في القتال زيادة فضل بالشهادة في سبيل الله، وغير المؤمن يرى القتال استعجالا للموت بالإقبال عليه فيفرّ، وليس الفرار منجيا ولا عاصما؛ ذلك مصدر الخلل وأصله في عقيدة المنافقين والذين كفروا {وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ} آل عمران 156.

ثم ساق الوحي الإلهي ثلاث خصال أخرى من خصال المنافقين كل منها تنبئ عن خلل في تصورهم الإيماني فقال تعالى عن الأولى:

{وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} والحسنة ما سر المرء والسيئة ما ساءه، وكما تطلقان على الطاعات والمعاصي تطلقان على النعم والبلايا كما في هذه الآية الكريمة، وكان اليهود والمنافقون في المدينة كلما أصابهم خصب أو نعمة نسبوها إلى الله تعالى، وإن أصابهم جدب وقحط اطيروا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقد روي أنه بسط عليهم الرزق لما قدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ، فدعاهم إلى الإيمان فكفروا فأُمسِك عنهم بعضَ الإمساكِ، فقالوا:"ما زلنا نعرِف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم هذا الرجلُ وأصحابُه"، ذلك قول المشركين دائما عند مواجهة المرسلين، قالته ثمود لصالح عليه السلام: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} النمل 47، وقاله أصحاب القرية للمرسلين: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} يس 18/ 19، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت