فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 326

عند فرضه في المدينة، إلا أننا نجزم ببطلان هذا الزعم مهما كانت الروايات التي فهم منها هذا الفهم ونبرئ كرام الصحابة والسابقين. كما أن ضعاف الإيمان من المسلمين ولو جبنوا لا يتصور فيهم الاعتراض على ما يقدره الله ويكتبه، أو السؤال عن علة ما يأمر به وينهى عنه إلا أن يرتدوا عن الإسلام.

لذلك نرى أن هذه الآيات متصلة بما سبقها من قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} النساء 72، وأنها امتداد لمعركة الإسلام في مواجهته للمبطئين من المنافقين الذين ظهروا في المدينة فوجب الحذر منهم وكشف أحوالهم ونواياهم وأعمالهم، ودعوة للاعتبار بموقف سابق لليهود من بعد موسى عليه السلام إذ أمروا بالقتال فجبن أكثرهم كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} البقرة 246. قال ابن عباس:"نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم".

ولذلك بادر الحق سبحانه بتصحيح التصور الإيماني المختل مشيدا بالمتقين الذين هم خير قدوة للناس وأحسن أسوة للعالمين بعد الأنبياء والرسل عليهم السلام، فقال عز وجل:

{قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} بَيِّنْ لهم يا محمد أن مُتَعَ الدنيا مالا وبنين وشهوات وجاها قليلة مهما طال العمر، لأن كل منقطع قليل. {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} والآخرة خير دائم ونعيم لا ينقطع لمن اتقى غضب ربه بطاعته وامتثال أمره، كما أنها شر دائم وحسرة مقيمة لمن كفر وعصى {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} لأن فيها يفصل يوم الدين بين الخير وأهله والشر وأهله، بميزان للعدل لا غبن فيه ولا ضير ولا بخس، ولا لأحدٍ أبدا.

ولئن كان الجبن هو الذي دفع المنافقين لطلب التأخير إلى أجل قريب لأنهم توهموا أن القتال يدنيهم من الموت، أو يدني الموت منهم، فإنما ذلك تلبيس أوهام وغبش رؤية وضلال في التصور، لأن الموت سبيل كل حي، وداعيه للمرء في كل لحظة: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} آل عمران 45، لا يصده من غير الله صاد، ولا يدفعه مكان أو زمان، ولا تقربه شجاعة أو يبعده جبن أو تنجي منه حيلة، هذا هو التصور الإيماني السليم الذي ينبغي أن يستشعره المؤمن والفهم السليم الذي ينبغي أن يتضح في ذهنه عن الموت وهو ما بينه تعالى عقب ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت