الوحي إلى معالجة هذه الظاهرة بكشف دواعيها واستئصال جذورها في النفوس المؤمنة والمعسكر الجهادي بنزول قوله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} والخطاب في هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} لرسوله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، يثير انتباههم لهذه الظاهرة وتعجبهم من إحجام مَنْ جبن عن القتال عند فرضه ومن نافق وثبط وبطأ، وقد كانوا من قبل راغبين فيه يكادون يباشرونه تنطعا وتهورا وعصيانا لتوجيهات القرآن وأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: {إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} وهم المسلمون كافة في الفترة المكية وأول الفترة المدنية، وكانوا قلة ضعافا بين أعداء كثر أقوياء، كما قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} الأنفال 26، ولم يكن مطلوبا منهم بعد الإيمان إلا أن يكفوا أيديهم عن قتال المشركين، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة [[1] ]، بما يؤدي إليه ذلك من ثبات على الدين وتزكية للنفوس والأخلاق وتقوية لأواصر المحبة والتعاون والتآزر بين المؤمنين.
{فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ} فرض عليهم القتال وأمروا بالخروج إليه {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} وحرف"إذا"للمفاجأة جواب لَمَّا، أي كانت المفاجأة الغريبة أن انكشف جبن بعضهم وخوفهم من عدوهم كخيفتهم من ربهم بل أشد خوفا، ثم لم يكتفوا بذلك فاعترضوا على إرادة الله واستنكروا إيجاب القتال في سبيله {وَقَالُوا} جزعا من الموت ونفورا من الجهاد: {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ؟} لم فرضت علينا القتال وفيه هلاك النفس والذرية والمال؟، بل ادعوا أن رأيهم في هذا الأمر أنسب وأكثر حكمة مما كتبه ربهم عليهم بقولهم: {لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي: لولا أخرت فرضه إلى فترة أخرى تناسبنا ويتم فيها استعدادنا، أو إلى أجلنا المقدر لوفاتنا وهو قريب مهما طال العمر.
لقد اختلف المفسرون في تعيين المعنيين بهذه الآية وما بعدها، فقال قوم إنهم جماعة من حديثي العهد بالإسلام لم يكونوا راسخين في العلم جبنوا طبيعة لا اعتقادا ثم تابوا عند سماعهم التذكير القرآني، والإيمان يزيد وينقص وأهل الإيمان يتفاضلون فيه. وقيل هم جماعة كانت مؤمنة فلما فرض القتال نافقوا من الجبن وتخلفوا عن الجهاد، وزعم آخرون أنهم الصحابة الذين سألوا القتال في مكة ثم ترددوا
(1) - الزكاة في الفترة المكية لم تكن ذات نصب.