أعينهم يوم القيامة هكذا. ورجل مؤمن جيد الإيمان، لقي العدو فكأنما ضرب جلده بشوك طلح من الجبن، أتاه سهم غَرَب [[1] ]فقتله، فهو في الدرجة الثانية. ورجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذاك في الدرجة الثالثة. ورجل مؤمن أسرف على نفسه، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذاك في الدرجة الرابعة)
هذه الحالات من تطابق القول والفعل أو تعارضهما هي ما أفرزه مجتمع المسلمين أول عهدهم بالهجرة إلى المدينة، ومواجهتهم أعداء دينهم من المشركين وأهل الكتاب، وقد كانوا من قبل في مكة أول ظهور الإسلام لقلة عددهم وكثرة أعدائهم، وحرمة القتال في البيت الحرام ابتداء، مأمورين بالصلاة والصدقات ومواساة الفقراء، والصبر على المشركين والإعراض عنهم وعدم التعرض لهم بما يستفزهم أو يثير جهالتهم، ولم يحاول الخروج عن هذا النهج إلا نفر ضاقوا ذرعا بأذى المشركين وتسلطهم واضطهادهم وأخذوا يتحرقون لمنازلتهم وقتالهم ويودون لو أمروا بالجهاد في سبيل الله، منهم عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ الزُّهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بنُ مظعون الجُمَحي وسعد بن أبي وقاص الزُّهري رضي الله تعالى عنهم، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا:"يا نبي الله، كنا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة"فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم) .
وقبل ذلك إذ بايع أهلُ يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا نيفا وثمانين، وقالوا:"يا رسول الله، ألا نميل على أهل الوادي- يعنون المشركين - لياليَ مِنى فنقتلهم؟"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لم أومر بهذا) . فلما اشتد بَغْيُ المشركين، وهاجرت طائفة من أصحابه إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم بدوره إلى المدينة فاجتمع بها شمل المسلمين وصارت لهم حصنا ومنعة ودار إسلام شرع الله تعالى جهاد المعتدين كفا لشرهم ونصرة للمستضعفين بقوله عز وجل: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} 39/ 40؛ وكان قد ظهر بالمدينة أيضا في المسلمين عامة تطلُّعٌ لحرب المشركين ومناجزتهم، وفيهم فئة قليلة حديثة عهد بالإسلام تحمست كذلك للقتال ودعت إليه ثم ما لبثت طائفة بعد فرضه أن كرهته جبنا وخشية من الناس، وطائفة أخرى كرهته نفاقا وتبطئة وتثبيطا للمسلمين؛ لذلك بادر
(1) - سهم غَرْب وسهم غَرَب: لا يُدْرَى مَنْ رَماه ولا من حيث أتى.