فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 326

هذا التتابع الموثق بالوحي الكريم بين الأمر بتقوى الله تعالى والأمر برعاية الأرحام والإحسان إليهم واتقاء قطيعتهم أو ظلمهم أو خذلانهم والتخلي عنهم هو الحصن الإيماني الذي يحمي به الله تعالى نظام الأسرة في الإسلام، ويثبت به بنيانها، ويحفظ به من الاستبداد والطغيان والأثرة وفورة الاستقواء كافةَ المستضعفين في المجتمع، نساء وأطفالا وأيتاما وعجزة بمرض أو شيخوخة، ويستجيش به المشاعر الطيبة والقلوب المؤمنة والأحاسيس المرهفة للمساهمة في نشر الأمن والتكافل والتآزر داخل المجتمع الإنساني. وغني عن البيان ما حظيت به الأرحام من نصوص تشريعية في الكتاب والسنة، تجعل رعايتها حقا وواجبا بعد حق الله في التوحيد والعبادة. وما استهلت هذه السورة ببيان أصل خلق الإنسان من نفس واحدة إلا لبيانِ قاعدة الاجتماع الأولى بعد قاعدة العقيدة توحيدا وعبادة؛ قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} الأحزاب 6، وبيانِ منهج تعامل المرء على ضوء العقيدة مع أعضاء الأسرة الإنسانية تعاونا وتآزرا وتكافلا وتناصحا، من غير ظلم أو اضطهاد، أو استضعاف أو عدوان، الأقرب فالأقرب بدءا من رحم الأسرة الواحدة وانتهاء بالرحم الأولى التي خلقت من نفس واحدة، خيرُه مبذول أبدا، كما قال تعالى: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} البقرة 215، وقال صلى الله عليه وسلم: (يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى) ، وشرُّه مأمون دائما، قال صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ) ، وسئل عليه الصلاة والسلام: أي الناس أفضل؟ فقال: (مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ) قالوا: ثُمَّ مَن؟ قال: (مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِن الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) .

لقد قرن الحق سبحانه بين التقوى وصلة الأرحام، ليبين للناس خطورة شأن هذه الرابطة الإنسانية وأهميتها في بناء المجتمع بعد رابطة العقيدة، ودورها في توفير السعادة والأمن وكبح جماح الأثرة والعدوان والتظالم، ولذلك زادها توثيقا وحماية فقال عقب ذلك:

{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} والفعل"رقب يرقُب"الشيءَ رقوبا ورِقْبة ورِقْبانا بكسر الراء: رصده، وحفظه، والترقب والارتقاب: الانتظار والرصد، وقوله تعالى: {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} طه 94 معناه لم تَنتَظِرْ قولي؛ والمرقب: المكان العالي الذي يشرف عليه الرقيب، وفي حديث البخاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت