فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 326

وأنشدك الله تعالى أن تعينني أو تعطيني، لأن قوله تعالى: {تَسَاءَلُونَ} معناها: يسأل بعضكم بعضا، قرأها الجمهور {تَسَّاءَلُونَ} بتشديد السين، أصلها تتساءلون، أدغمت التاء الثانية - وهي تاء التفاعل - في السين، لقرب المخرج واتّحاد الصفة وهي الهمس؛ وقرأ حمزة وعاصم والكسائي وخلف: {تَسَاءَلُونَ} بتخفيف السين على أنّ التاء حذفت تخفيفًا.

ثم دخل مباشرة في التشريع للأسرة والمجتمع بدءا بذوي القربى، فعطف على أمره بتقوى الله تعالى أمرا آخر باتقاء قطيعة الأرحام وخذلانهم أو الإساءة إليهم واستضعافهم، فقال تعالى:

{وَالْأَرْحَامَ} أي اتقوا الله أن تعصوه واتقوا الأرحام أن تقطعوها. والأرحام جمع رحم، وهي مٌزْدَرَع الولد في بطن الأم ومنبته ووعاؤه، وهي أيضا اسم لجميع الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره، لا خلاف في هذا بين أهل الشرع ولا بين أهل اللغة، مشتقة من الرحمة، وهي من الإنسان رِقَّةُ القلب وعطفه، ومن الله تعالى الإحسان المجرد دون الرقة، قال عز وجل فيما يرويه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم: (أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمى فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته) .

لقد عودنا الوحي الكريم أن يجعل البر بالوالدين - وهما أول الأرحام وأولاها بالرعاية- تابعا مباشرة للأمر بطاعة الله تعالى إذ قال: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} الأنعام 151، وقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} الإسراء 23، إلا أنه في مقام التشريع من سورة النساء جعل قطيعة الأرحام مطلقا بعد تقوى الله محل تحذير وتحريم، وهو المعنى الذي تؤديه قراءة الجمهور {وَالْأَرْحَامَ} بفتح الميم أي: اتقوا الله أن تعصوه واتقوا الأرحام أن تقطعوها، خلافا لقراءة حمزة بكسر الميم، عطفا على الضمير العائد إلى اسم الجلالة في قوله {بِهِ} ، ومعناه"تتساءلون بالله وتتساءلون بالأرحام"، وهو معنى لا يستقيم عقديا لعدم جواز القسم أو السؤال بغير الله تعالى شرعا، قال صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) ، و قال: (من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن استجار بالله فأجيروه) ، وقال: (إن الله تبارك وتعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم فإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له، ولا تقولوا هذه لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء، ولا تقولوا هذه لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله منها شيء) ، كما أن جمهور أهل اللغة يرون عدم جواز العطف على المضمر أي عطف لفظ"الأرحام"على الهاء في قوله {بِهِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت