الأعراف 189، وقال: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الروم 21.
لقد كان أول فضل لله على الإنسان أن خلقه بيديه من تراب وسواه، قال عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} المؤمنون 12، وجعل منه الذكر والأنثى، رباهما وأنعم عليهما وهداهما، وآثر المرأة لطبيعة دورها في الحياة فائتمنها على كل خلق بشري جديد، بصفتها حاضنته في رحمها جنينا وفي حجرها رضيعا وتحت رعايتها وتربيتها طفلا، وأثقل كاهل الرجل بأن جعل زوجته وديعة لديه، وجعله مرتهنا لها بميثاق غليظ يسأل عنه ويحاسب عليه {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} النساء 21، ثم نشر رب العزة تعالى منهما ما قدره من البشر إلى يوم الدين: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} ، ولذلك عقب على لطيف خلقه ورعايته بقوله عز وجل:
{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} أي أنه تعالى بعد أن استجاش ما في نفوس عباده من معرفة فطرية بربوبيته، دخل بهم إلى مجال الألوهية بقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} وكرر الأمر بالتقوى للحث عليها، وعبر باسم الجلالة"الله"الذي يدل على الهيبة والقهر ترغيبا وترهيبا، بخلاف مقام الترغيب في قوله تعالى: {اتَّقُوا رَبَّكُمُ} الذي خلقكم ورباكم وأحسن إليكم، لأنّ المقام مقام تمهيد لما يأتي بعدها من التشريعات المتعلقة بالنسب والقرابة، مما يقتضي إشعارَ المخاطبين بمسؤوليتهم بين يدي الله؛ والترقيَ بهم إلى استشعار ألوهيته تعالى واستحقاقه العبادة ربا وإلاها، إذ ليس بعد الإقرار بربوبيته عز وجل لدى العقلاء إلا الإقرار بوجوب طاعته وتقواه وخوف معصيته؛ وليبين لهم أيضا أن الإيمان بالألوهية - ولو تلبس بالغموض في بعض القلوب - مركوز في فطرتهم الأولى؛ لأن المرء مهما غفل أو لها أو سها أو جحد أو توارت عن ذهنه هذه الحقيقة، إذا ما أصابته محنة أو شدة بعد رخاء تذكر أن له إلها قادرا ينجيه ويعينه، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} يونس 22. ثم بين الدليل على ذلك من تصرفات كثير من الناس على اختلاف عقائدهم إذ يتساءلون فيما بينهم بالله لرفع ضرر أو قضاء حاجة فقال:
{الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ} وحرف الباء في هذه الآية للقسم الاستعطافي نحو: باللهِ هلْ قام زيد أي أسألك بالله مستحلفًا، وكذلك قول القائل لصاحبه على سبيل الاستعطاف: أسألك بالله،