فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 326

{وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} . والبثّ لغة هو النشر والتفريق للأشياء الكثيرة، يقال بث الخبر بين الناس أي نشره، وبث العيون في المدينة: نشرهم وفرقهم في أحيائها، ومنه قوله تعالى: {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} أي: منشورة ومبسوطة؛ والمعنى أنه تعالى ذرأ من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء، على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، وجعل مجمل خلقهم وتناسلهم وتكاثرهم وانتشارهم في أقطار الأرض على مر العصور آيةً دالة عليه لا ينكرها إلا جاحد كفور، قال عز وجل: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} الروم 20.

هذه هي النشأة الأولى للإنسان من نفس واحدة، كما يخبرنا بها خالقها سبحانه، كان منها الذكر والأنثى، زوجين كل منهما سكن ومودة للآخر، فردين متساويين في الكرامة والمنزلة والحقوق والواجبات، كل حسب استعداده وما خلق له، ومن هذه النشأة الأولى انبثق الجنس البشري ذكورا وإناثا بأمر الله عز وجل، يتكاثرون جيلا بعد جيل، لتقوم في الأرض أمة الإنسان الذي لا ينفي تعددُه وحدةَ أصله، ولا تبتُّ كثرتُه وشائجَ نشأته الأولى، ولا يلغي انتشارُه في الأرض انتسابَه إلى أب واحد هو آدم وأم واحدة هي حواء عليهما السلام. ويبقى هذا النسب الواحد على مر الأجيال نداء إلى المحبة والأخوة ونبذ الكراهية والبغضاء مهما تباعدت الديار والأوطان، أو اختلفت الألسن والألوان والعادات والطباع والأهداف، لأن القاعدة الأصل - وهي أن الإنسان أخ للإنسان - لا تلغيها قواعد طارئة من مصالح أو أطماع، قال الحق سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات 13، وقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} (22 وقال صلى الله عليه وسلم:(لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا أبيض على أسود ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب) .

ومن هذه النشأة الأولى للجنس البشري أيضا فطرةً سوية تعرف ربها، وصبغةً ربانية عصية عن الزيف، ونشأةً طاهرة لم تلوثها الأهواء، انبثق منهج للحياة الزوجية بين الذكر والأنثى أركانه الوفاء والمحبة والسكينة والطهر والتعاون والتكامل، منهج قامت به قاعدةُ الاجتماع الأول للإنسان ومبدأُ التكاثر في الأرض من صلب الرجل ورحم المرأة، وكان ذلك آية دالة على وحدانيته عز وجل وقدرته وحكمته وربوبيته، وحجة هادية إلى وجوب عبادته وحده لا شريك له، قال عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت