فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 326

التبعيضية التي تعني أنّ حوّاء خلقت من جزء من آدم، يؤيدهم في ذلك قوله تعالى في الآية 189 من سورة الأعراف: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} ، وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: (استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء) .

وأيا ما كان الأمر فإنه تعالى لم يفصل لنا كيفية خلق حواء كما فصل ذلك في خلق آدم، لحكمة يعلمها، وهو شيء استأثر عز وجل بعلمه فلا نسأل عنه ولا نشغل أنفسنا به، والحجة فيه لمن أوجده وشهده، ولا داعي لهلوسات المضلين المتعالمين المعاصرين، المضبوعين بالنظريات السخيفة وما دعي داروينية حديثة أو غير حديثة؛ فما شهد النشأة الأولى إلا خالقها عز وجل وهو القائل: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} الكهف 51.

لقد أراد سبحانه أن يُبقيَ ذلك مبهما، وله الأمر في الأولى والآخرة، وأن يكتفي من الآية ببيان وحدة الأصل البشري الذي يصب في معين تعزيز المنهج الإسلامي وتثبيت التصور الإيماني في الأفئدة، لأن النواة الأولى للتكاثر الإنساني - وهي الأسرة المنبثقة من أصل واحد - تكرس مبدأ المساواة بين قطبيها - الذكر والأنثى - من حيث التشريف والتكليف، مع مراعاة خصائص كل منهما واستعداداته، من حيث القدرات والوظائف التكاملية بينهما في الحياة، وتشعر بفضل الله وحكمته ولطيف ربوبيته للخلق، وتنشر بذلك في الكون آية من آياته الدالة عليه، قال تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الروم 21، آية يتحمل كل مؤمن مسؤولية المحافظة على نقائها وصفائها وتوهجها لتكون بنفسها دعوة إلى الإيمان والإحسان، فيحصنها بالتقوى واستشعار الخوف من الله ورعاية الحقوق والواجبات ونشر الأمن والمودة واليسر والتعاون بين الطرفين، لأن ذلك هو الواجب الشرعي أولا، ولأنه هو الواجب الأخلاقي والعقلي ثانيا، ولأنه يوفر المحضن الدافئ السعيد والحياة الهنيئة للزوجين ولذريتهما ثالثا.

ثم فصل عز وجل ما أجمله في قوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت