الأبدان والأحلام، وخلق لهم الذرية بنين وحفدة، وما تنبت لهم الأرض وما تنتج الأنعام ... ، إلا شراذم قليلة ملحدة دهرية تقول: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْر} الجاثية 24، كما هو حال السفهاء وضعاف العقول والشيوعيين والعلمانيين في عصرنا هذا. قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} الزخرف 87، وقال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} العنكبوت 61، وقال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} العنكبوت 63.
إن قضية ربوبية الله للناس خلقا وتنشئة ورعاية وإمدادا بالنعم مستقرة في الأذهان وليست محل جدال أو رد من معظم الكفار، وهي دليل واضح على قدرته تعالى وحسن تدبيره، وما دامت هذه صفات الحق سبحانه فإن من الحكمة أن يجعل العاقل بينه وبين غضبه وقاية، ولا وقاية خير من أن يؤمن به إلها لا شريك له ويعبده ربا ليس له ند أو شبيه، ولذلك بنى على معرفتهم بالربوبية خلقا وإبداعا وحكمة نتيجتَها المنطقية وهي التقوى فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} أي اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية، بمراعاة حقه عليكم، وحقُّه أن توحدوه وتعترفوا له بصفات الكمال والجلال، وتنزهوه عن الشركاء والأنداد في الصفات والأفعال.
ثم زاد عز وجل حكمته وقدرته بيانا فكشف عن مبدأ خلق الإنسان بقوله: {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} ، أي من أصل واحد سماه تعالى نفسا، فذهب المفسرون في تعيينه مذاهب شتى، منهم من رأى أن النفس هي الروح التي استأثر الله بعلمه، نفخ منه في التراب فكان آدم وحواء زوجا أي ذكرا وأنثى قرينين، لأن العرب تطلق لفظ"زوج"على كل قرينين متماثلين أو مضادين أو متكاملين.
ومنهم من رأى أن النفس الواحدة تعبير مجازي عن الفطرة الواحدة والصبغة الواحدة التي خلق عليها آدم وحواء وذريتهما، خصائصهم العقلية والعاطفية والتصرفية واحدة وإن اختلفت القدرات وتباينت.
وذهب غيرهم إلى أن المراد من قوله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي من جنسها كما في قوله عز وجل: {والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} وقوله: {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} وقوله: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} .
ومنهم من رأى النفس الواحدة هي آدم عليه السلام، خلقه من تراب وخلق منه زوجه حواء، وهو ما عليه جمهور المفسرين، كما يقتضيه ظاهر قوله: {مِنْهَا} ، وحرف: (مِن)