الناس، ومن ثم أيضا نزلت سورة النساء وهي السورة القامعة للظلم والتجبر والطغيان، الملجمة لاستقواء الإنسان على أخيه الإنسان، وكانت فاتحتها تصحيحا لنقطة الارتكاز في هذا التصور لدى الناس جميعا، تأهيلا لمداركهم وترشيدا لعقولهم وتمهيدا لإقامة مجتمع الأخوة والعدل فيهم، وكان أول خطاب لهم فيها قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} والخطاب في هذه الآية الكريمة موجه للناس كافة، مسلمهم وكافرهم إلى يوم الدين بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} ، ورد به الذكر الحكيم في الفترتين المكية والمدنية خلافا لما ذهب إليه ابن عباس ومجاهد وعلقمة من أن كل شيء نزل فيه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} فهو مكي، و {يأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} فهو مدني، ذلك أن المعيار في الخطاب بإحدى الصيغتين ليس متعلقا بفترة النزول مكيةً أو مدنيةً، وإنما بالغرض من الخطاب، فإن كان المراد من المخاطبين الإيمان ونبذ الشرك قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} وذلك هو غالب اصطلاح القرآن في هذه الصيغة من الخطاب كما في قوله تعالى في الآية 170 من سورة النساء وهي مدنية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ} ، وقوله عز وجل في الآية 158 من سورة الأعراف وهي مكية: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} ، وإن كان الغرض تكليفا بعبادة أو إرشادا أو أمرا أو نهيا خوطب المؤمنون مباشرة بقوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} كما في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} البقرة 178،وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام} البقرة 183، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} التحريم 6، ولذلك قال عبد الله بن مسعود،:"إذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعها سَمْعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه"؛ ونظرا لأن أغلب التكاليف نزلت بالمدينة فقد كان الخطاب فيها للمؤمنين مباشرة أو من خلال مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم، أما الخطاب للناس كافة فقد ورد في الفترتين المكية والمدنية، لأن الدعوة إلى الإيمان تعمهما معا كما تعم كل عصر بعدهما فلا تنقطع إلى يوم الدين.
في هذه الآية الكريمة وهي الأولى من سورة النساء، يخاطب الحق سبحانه في الناس عقولهم تنبيها لها من غفلة صرفتهم عن الإيمان، فيذكرهم بصفتين لا ينكرونهما على كفرهم، ليجعلهما حجة تلزمهم بنتيجة ما يعرفونه ويعتقدونه، وهما: الربوبية والخلق في قوله عز وجل: {رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} ، إذ غالبية الكفار أهلَ كتاب ومشركين يعترفون بربوبية الله تعالى، وهي أنه عز وجل خلقهم من عدم ورباهم في كل أحوالهم أجنة في الأرحام، ورضعا في الأحضان، وصبية ومكتملي