فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 326

تقام الأواصر وتنتظم الأسباب وتبنى الأنظمة وتهذب التقاليد والأعراف وتعاد تربية الفرد والجماعة. وكأنما هذا التصور الذي يراد إعادة بنائه وتقويمه وتوضيحه في المجتمع البشري بمثابة القلب من الجسد، إذا فسد التصور فسد العمل، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) .

إن الإيمان الذي هو مبدأ الأمر في عقيدة الإسلام لا بد قبل أن ينعكس في واقع الحياة من أن يرتسم في العقول والمشاعر تصورا واضحا لا غبش فيه ولا اختلال، تصورا لحقيقة العلاقة بين الخالق والمخلوق من جهة، وعلاقة المخلوق بالمخلوق من جهة أخرى، ثم ينزل هذا التصور منهجا حيا يسعى بين الناس عبادة رشيدة مثمرة، وأواصر مبنية على المحبة والتعاون والتناصح وأخوة المبدأ والمسير، وعاقبة المآل والمصير؛ وما لم ترتسم معالم هذا التصور في النفس البشرية أو تتضح في أعماقها فلن تكون العبادات والعلاقات إلا حركات وطقوسا جافة لا حياة ولا رواء فيها ولا غناء، لأن غبش الرؤية ينعكس على علاقة المرء بربه، وتصرفاته مع غيره، وعباداته التي لا تنهاه عن فحشاء في العمل والمعاملة، ولا تكفه عن منكر من القول والزور، فهو مسلم فيما يعلنه بلسانه، وما قد يمارسه من طقوس عبادته، ولكنه في غير ذلك ينتمي إلى ما يتصوره من أفكار جاهلة وثقافات منحرفة، وعادات فاسدة لا ترعى حرمة ولا توقر عرضا ولا يسلم منها جار أو صاحب أو رفيق أو صديق، كما هو شأن بعض العلمانيين والحداثيين يسارا ويمينا، وشأن بعض الدعاة المتداعين إلى ولائم أعراض المؤمنين ينهشون لحمها ويعرقون عظمها ويتاجرون بأخبارها، وهم في جل أحوالهم يعيشون حياة مزدوجة الولاء والانتماء، لفساد تصوراتهم وتلوث منابع التلقي في أفئدتهم وعقولهم؛ باطلهم مشوب بحق، وحقهم لم يخلص من الباطل، ضلالاتهم مزخرفة بمعروف، وانحرافاتهم متسترة بتأويل فاسد لآية أو حديث، أو كما قال علي رضي الله عنه:"إن أبغض خلق اللّه إلى اللّه رجل قمش [[1] ]علما غارًّا في أغباش الفتنة"

من ثم كان تركيز الوحي الكريم على رأس الأمر في قضايا الإيمان والتربية وإعادة التربية للكبار والصغار، وهو التصور الإيماني الواضح. بكل غبش يطرأ عليه ينشأ الفساد في العقيدة والفساد في العبادة والفساد في التصرفات والعلاقات والوشائج، وتنشأ شوائب النفاق والكفر بين

(1) - القَمْشُ الرّدِيءُ من كل شيء والجمع قُماشٌ، والقَمْش: جمع مخلفات الأشياء من هنا وهناك، وكذلك التَقْمِيش، وقُماشة الشيء فُتاتُه، والقَمْشُ جمعُ قُماشِ: هو ما كان على وجه الأَرض من فُتاتِ الأَشياء ونفاياتها حتى ليقال لرُذالةِ الناسِ قُماش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت