فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 326

متاعا ولا زينة من الحياة الدنيا، وإنما كان مرآة صافية لصدق إيمانهم ووضوح تصورهم العقدي، فقد سألوا ربهم أولا مفارقة المشركين والالتحاق بالفئة المؤمنة والمجتمع المسلم لأن من طبيعة الإيمان أن يأرِز [[1] ]إلى الإيمان ويسعى إليه، ولأن الأرواح أجناد مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، ولأن المبدأ في مساكنة المشركين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) قالوا:"يا رسول الله لم؟"قال: (لا تراءى ناراهما) .

وسألوا ربهم ثانيا أن يسخر لهم بعنايته من يتولى أمرهم ويعينهم على الخروجِ من مكة - وهي وطنهم ومقام أقاربهم -، والالتحاقِ بالمسلمين في المدينة، لأن رابطة الإيمان أقوى من روابط الأرحام والأوطان.

وسألوا ربهم ثالثا أن يقيض لهم من يقودهم إلى النصر على المشركين، والتمكين للإسلام والمسلمين؛ وقد استجاب الحق سبحانه دعاءهم فيسّر لبعضهم الخروج إلى المدينة، وجعل لمن بقيَ منهم فرجا بفتح مكة على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لهم خيرَ وليّ وأعزَّ ناصِر.

والآية في عمومها تعبير عن جوهر ما في الإسلام من رحمة، إذ لم تفرق بلون أو عرق أو دين بين جموع المستضعفين في استحقاق العطف والنصرة والعون والاستنقاذ، كلهم شبه أسرى في يد ظالميهم ومضطهديهم وكلهم يجب استنقاذهم، كما أمر صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة كثيرة - والأمر للوجوب - بنصر الضعيف وعون المظلوم وفك العاني وإغاثة الملهوف، ولم يميز في ذلك بين مسلم وغير مسلم، بين أسود أو أبيض أو أحمر.

ثم عقد الحق سبحانه للتحريض على الجهاد نصرة للمستضعفين مقارنة بين أهدافه وبين أهداف القتال لدى غير المسلمين فقال عز وجل:

{الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وسبيل الله أن يكون لإعلاء كلمة الحق والتوحيد والعدل ونصرة المستضعفين، ومن كان هذا نهجه وقصده سارع إلى تلبية الأمر واقتحام المنايا وحظي بتأييد الله ونصره.

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} وكل ظلم طاغوت، وكل استبداد أو استعباد أو اضطهاد طاغوت، وكل اعتداء باستعمار أو سلب أو نهب أو استضعاف طاغوت، ومن كانت هذه

(1) - يأرز أي: ينضم، وفي الحديث: (إِن الإِسلام ليأْرِزُ إِلى المدينة كما تأْرِزُ الحية إِلى جُحْرِها) أَي: ينضم إِليها ويجتمع بعضه إِلى بعض فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت