صفاته كان الشيطان من أوليائه والهزيمة من نصيبه، ووجب على المؤمنين قتاله وكف أذاه لقوله تعالى معقبا:
{فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} أَمْرٌ منه عز وجل بقتال أولياء الشيطان من المستكبرين والظالمين، مستعبِدي خلق الله ومستضعِفِيهم، وتحريضٌ للمؤمنين على اقتحامهم والجراءة عليهم، وعدم التهيب منهم، لأن قوتهم الظاهرة مبتوتة الصلة بمصدر القوة الحقيقية الذي هو الله تعالى، ومهماانتفشوا وتعالوا واستكبروا فإن كيدهم وما يمكرون إلى ضعف وهزيمة.
إن الله تعالى وقد خلق الإنسان حرا سويا وجعل حرمته أعظم من حرمة البيت الحرام، لم يرض له المهانة والذلة أو الاستكانة والاستضعاف، وأوجب عليه الدفاع عن نفسه وحرمته، وأعطى المؤمن درجة الشهادة إن قتل دون عرضه أو ماله أو دينه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبغض الرجل تدخل حرمته فلا يمتنع) وقال: (من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد) ، إلا أن ظروفا قد تطرأ على العبد فتجعله في حالة شلل تام عن المقاومة، وخضوع مطلق لعدوه، وعجز عن الفرار والهجرة. هذا هو الاستضعاف المعذور به صاحبه، كما كان حال بني إسرائيل تحت حكم فرعون في قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} القصص 4، وحال مستضعفي مكة إذ أمر الله تعالى المؤمنين بالجهاد لتحريرهم من يد آسريهم. وفي كل الأحوال لا يجوز أن يكون هذا الاستضعاف عذرا في الشرك بالله، أو في الغدر بالمسلمين والتجسس عليهم أو توهين صفهم وموالاة أعدائهم. أما ما عدا ذلك فلا يجوز للمؤمن أن يخنع لطاغوت متجبر، أو يخضع لقهر تنتهك به حرماته، أو يستسلم لاستضعاف يضيع به دينه، بل عليه أن يدافع عن عقيدته وعرضه وبيته وماله، فإن عجز وجب على المؤمنين من كل قطر تحريره والدفاع عنه، وإلا كانوا آثمين جميعا، فإن لم يجد ناصرا من المؤمنين لضعفهم أو تخاذلهم، هاجر إلى أرض تصان فيها كرامته وحريته ودينه وأسرته، وإلا كان ظالما لنفسه، قال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} النساء 97.