فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 326

الأمة عن مهمتها هذه، وتترك مستضعفيها رهائن محاصرين بيد أعدائها، لأن مسؤولية إنقاذهم والدفاع عنهم من صميم عقيدة الجهاد في سبيل الله وأهدافها النبيلة، لذلك عقب الحق سبحانه بقوله:

{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} أي: ومادامت هذه عاقبة المجاهدين نصرا أو استشهادا يعقبهما خلود في الجنة، فكيف يقعد المسلمون عن الجهاد في سبيل الله وهو ذو مقصد سام وهدف نبيل غايته إنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

ولفظ"المستضعفين"لغة من:"الضعف"وهو خلاف القوة. يقال ضَعُفَ يضعُف فهو ضعيف، سواء كان ضعفه في نفسه أو بدنه أو حاله، واستضعفه غيره إذا استهان به وقابله بالاستكبار والتعالى والتجبر كما في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ} سبأ 33.

ويراد بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان في هذه الآية الكريمة طائفة من المسلمين بمكة منعهم المشركون من الهجرة إلى المدينة، من الرجال فيهم الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، أما النساء فقد كن ذوات أزواج وأولياء مشركين يمنعونهن من الهجرة مثل أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وأمّ الفضل لبابَة بنت الحارث زوج العباس، وقد كنّ يؤذَيْن ويحقَّرْن، وأمّا الوِلدَانُ فهم الصغار من أولاد المؤمنين والمؤمنات ومنهم ابن عباس رضي الله عنه وقد قال بعد هجرته:"كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان"، وكان الآباء والأمهات يقاسون على يد المشركين ضروب الاضطهاد والتعذيب والقهر، والأبناء يألَمون لمشاهدة ما ينال آباءهم وأمّهاتهم وحاضناتهم وذويهم من الأذى، وكلهم يجأرون إلى الله تعالى بالدعاء والتضرع ويسألونه أن ينقذهم من ذلة الاستضعاف و هوانه، أما الرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يهدأ له بال انشغالا بأمرهم وشفقة عليهم، وكان يدعو لهم في قنوته بالنجاة ويقول: (اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف) ؛ لذلك نزل الوحي يستجيش المروءة في نفوس المسلمين, ويستثير الرحمة في قلوبهم، ويستنهض في هممهم نصرة الأخوة، ويكشف لهم مدى شقاء المستضعفين المحاصرين في مكة ويصف حالهم بقوله تعالى:

{الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} . والمراد بالقرية الظالم أهلها مكة لأن أهلها حينئذ كانوا مشركين والشرك أعظم الظلم كما قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان 13، أما ما سألوه من ربهم فلم يكن مالا ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت