فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 326

أو لفخر بغلبة وشجاعة، أو من أجل عصبية قومية أو حزبية أو طبقية، ولا يقبل عند الله إلا من {الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} الذين يبيعون الحياة الدنيا، ليأخذوا عطاء الآخرة الجزيل، يسترخصون متع الدنيا وزينتها مالا وولدا ومعيشة لينة هنيئة ليحظوا برضا ربهم ونعيم جنته، في صفقة رابحة بقوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة 111.

ثم وثق تعالى هذه الصفقة بقاعدة ملزمة يُنتِج شرطُها مشروطَها إلى يوم الدين بقوله:

{وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} إشارة إلى أن المجاهد الحق يجب أن يوطن نفسه على تحقيق أحد هدفين، استشهاد أو نصر، كما قال صلى الله عليه وسلم (تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان به وتصديق برسوله أن يدخله الجنة أو يرجعه إذا رجع إلى منزله نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والذى نفسي بيده لولا أن أشق على أمتى ما تخلفت خلاف سرية تغزو في سبيل الله) ، ليس للمجاهد من قتاله إلا هدفان، موت في سبيل الله أو تغلُّب على عدوه وقهره، ولا مجال لحال ثالث فرارا أو استسلاما أو صلحا على قبول ظلم وخذلان، على وعد منه عز وجل بأن يؤتي المجاهد الصادق أجرا عظيما في الحالين، قال عز وجل: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} التوبة 52، حُسنَى الاستشهاد وحُسنَى النصر، وكلاهما طريق إلى الجنة وإلى ما هو أحب وأشرف من الجنة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ يقول الله عز وجل: تريدون شيئا؟ أزيدكم؟، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟، قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يونس 26.

إن الجهاد في سبيل الله ليس مجرد شعار معنوي لا وجود له في الأرض، ولكنه سعي حثيث وبذل متواصل لإقامة أمر الله إمامة رشيدة للبشرية، ومنهجا واقعيا ينقذها من نير الاستعباد والاضطهاد والاستضعاف، وذلك ما يمثل نبل غايته وشرف مقاصده ومتانة سنده وشرعية مرجعيته؛ لأن الإمامة ليست شرفا وترفا، ولكنها بلاء شاق تناط به مسؤولية إنقاذ الإنسان من مختلف صنوف الظلم، ظلم الشرك والكفر وظلم الاستعباد والاضطهاد والفساد، والإسلام بمقتضى هذه الإمامة لا يقبل أن تتخلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت