مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ التوبة 50، وقوله: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} التوبة 81.
إن نعمة الله الحقيقية لا يفقهها إلا الصادقون ولكن المنافق إذ قال: {قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ} قد عميت عينه عنها لأنه لا يدرك كنه الحياة الدنيا ولا يرى إلا مظاهرها المادية ومكاسبها الآنية وعمي بصره عن حقيقة نعمة الابتلاء وكونه مجرد تمحيص للمؤمن وتطهير له ورفع لدرجته وتأهيل له إلى أسنى الدرجات في الدنيا والآخرة، وأنه النعمة المرضية التي يختص بها الله تعالى من يحبهم من عباده ليحررهم من قيود الأرض ويرفعهم إلى الملأ الأعلى مع الأنبياء والصديقين.
أما في الحال الثاني، حال انتصار الصف الإسلامي في أي مجال من المجالات التي تخلف عنها المنافقون فإنهم يعضون أصابع الندم على ما فاتهم من غنائم ومصالح في المعارك الرابحة التي تخلفوا عنها كما بينه تعالى بقوله:
{وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ} نصر وغنيمة وظفر {لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} ليقولن المنافق قول من لم يَدَّعِ من قبل أن بينه وبينكم مودة ولم يزعم أنه من أهل دينكم: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} يا ليتني لم أتخلف عن القتال معهم، ولو شاركت لفزت بسهم من الغنيمة عظيم. وهو لقصور نظره وعماء بصيرته عن مغانم الآخرة جعل الغنائم المادية أقصى ما يطمح إليه وأعظمه. والقرآن الكريم في آيات أخرى يكشف مواقف هؤلاء المنافقين في محاولتهم تدارك ما فاتهم من الغنائم واسترجاع مكانتهم الانتفاعية من الصف المسلم، فهم وإن ساءهم ما نال المسلمين من فضل كما في قوله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} 120 آل عمران، وقوله: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} التوبة 50، يحاولون الاعتذار عن تخلفهم كما أخبر الحق سبحانه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} الفتح 11، وقوله: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ} الفتح 15.
ثم ينصرف الخطاب عنهم مزدريا حالَيْهِم، جبنا وانتهازية رخيصة، ويمضي ليشوق المؤمنين الصادقين إلى ما هو خير وأبقى وأعز وأشرف، بقوله تعالى:
{فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} هذه الآية أمر من اللَّه سبحانه للمؤمنين بالجهادِ، لورود لام الأمر في أولها، والأمر للوجوب، لكن للجهاد في سبيل الله فقط، لا في سبيل مجد وسلطان، أو منصب وجاه ومال،