مجال تدبير الشأن العام تشاورا وتقريرا وتقنينا في مناطق الفراغ التشريعي، وتسييرا وتنفيذا ومراقبة ومحاسبة.
كان هذا هو التطبيق النبوي للآية الكريمة من أجل حماية مستضعفي المسلمين المحاصرين في مكة ومختلف القبائل المشركة، إلا أن في قلب المعسكر الإسلامي بالمدينة نفسها أعداء آخرين من المنافقين، منبثين يتحينون فرص الانقضاض عليه وتوهين صفه وتثبيط همم المخلصين عن الجهاد، حذر منهم الحق سبحانه بقوله عقب ذلك:
{وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} وقوله تعالى: {لَيُبَطِّئَنَّ} من"البطء"وهو نقِيض الإِسْراع في ممارسة أي عمل أو الانبعاث إليه، كما في قولك: بطؤ في مجيئه أو بطؤ في مشيه، فإن تعمد البطء وتحراه وتكلفه قيل:"تباطأ"، فإن تباطأ وحرض غيره على البطء قيل: بَطَّأَ يُبطئ، أي تأخر وأخر غيره، كما في هذه الآية الكريمة المؤكدة بالجملة الإسمية وحروف ثلاثة للتأكيد هي: إن، ولام القسم، والنون، التي يحذر الحق سبحانه فيها من المنافقين المنبثين في الصف الإسلامي، يثبطون العزائم، ويوهنون الصف، ويمارسون التبطئة بإصرار، يبطئون أنفسهم فيقعدون متثاقلين ويبطئون غيرهم بتضخيم مخاطر الجهاد على النفس والمال والولد، مما يشير إلى شدة خطر هذه الشرذمة المريضة على المجتمع الإسلامي في كل عصر.
إن التبطئة سلاح أعداء الإسلام في كل عصر، سواء عند الدعوة لجهاد البناء أو جهاد المدافعة، في جميع الميادين الاجتماعية والاقتصادية والعلمية وغيرها، وهي ما يعبر عنه حديثا بالمقاومة السلبية، إذ يعمد المندسون في الصف إلى المراوغة والمماطلة أو تنفيذ الأوامر والمشاريع بما يخربها أو يجعلها عديمة الجدوى، أو التعامل مع ثروة الأمة بما يبددها ويصرفها عن أهلها، تحت غطاء الادعاء بالإخلاص وحسن النية، أو مع أسرارها بما يكشفها للعدو بادعاء الغفلة والسذاجة أو غلبة الظروف، ولذلك زاد الوحي الكريم المؤمنين تبصرة بهم، وكشف دخائل نفوسهم وحقيقة تصرفاتهم في حالين من أحوال المؤمنين، حال الهزيمة أو حال النصر فقال تعالى في الحال الأول:
{فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} بقتل أو هزيمة أو محنة {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ} قال المنافق المتخلف عن الجهاد فرحا: من نعمة الله علي أن نجوت مما أصابهم {إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} أي: إذ لم أشهد القتال معهم ولم أحضره واتخذت بتخلفي عنهم وقاء من ذلك، كما ذكر تعالى في آيات أخرى أن المنافقين في مثل هذه الحالات يفرحون بتخلفهم وبما يصيب المؤمنين من بلاء كقوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} آل عمران 120، وَقَوْلِهِ: وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا