فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 326

وأن يعدوا للجهاد عدته ويأخذوا له أهبته، ويتخذوا للتحصن من عدوهم كل الأسباب، فقال عز وجل محذرا ومحرضا:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} والحِذْرُ والحذَرُ واحدٌ كالإثرْ والأثَرِ والشِبْهِ والشَّبَهِ، والحِذْر هو الاحتراس والاحتراز من المَخُوف، والاستعداد لدفع المكروه بما يناسبه.

ولفظ {خُذُوا} استعارة لمعنى شدّة الحذر، لأنّ حقيقة الأخذ تناول الشيء الذي كان بعيدًا عنك، ولما كانت الغفلة تشبه البعدَ عن الشيء وإلقاءَه، كان تذكّره يشبه تناوله بعد إلقائه، وأخْذ الحذر ملازمته والتمسك به وجعله وسيلة وأداة لاتقاء المخاطر، تخطيطا وإعدادا للقوة، وتطويرا لوسائل الدفاع ومحافظة دائمة على وحدة الصف، ومراقبة يقظة للعدو واستخبارا عن مقاتله واحتراسا من أوليائه المندسين منافقين ومنفلتين، ممن يوهنون العزائم ويثبظون الهمم.

ولئن كان الأمر في هذه الآية بأخذ الحذر واستدامة التعبئة الدفاعية قد نزل في ظروف تألب فيها مشركوا العرب من كل القبائل على المسلمين بعد صلح الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، إذ قبلوا فيه شروطا ظُنَّتْ مجحفة، فإن عموم اللفظ يقتضي وجوب استدامة الحذر في كل أحوال المسلمين القتالية والعلمية والتربوية والإدارية والصناعية ونظام تدبير الشأن العام، لأنهم مستهدفون من قبل أعدائهم في كل عصر، بمقتضى ما أخبرهم به تعالى بقوله: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} البقرة 217.

ثم فرع عن الحذر ما يستتبعه من العمل الميداني للمدافعة وكف شر العدو فقال تعالى:

{فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} ، وقوله تعالى: {فَانْفِرُوا} من فعل: نفر نفرا، مكسور عين المضارع وبها قرأ السبعة، يقال نفر القوم عن الشيء إذا أعرضوا عنه، ونفروا من المجلس إذا تفرقوا، ونفروا إلى الجهاد إذا أسرعوا إليه وهو معنى الآية الكريمة، ومنه الحديث الحديث: (وإذا اسْتُنْفِرْتُم فانْفِروا) أي إذا سئلتم الخروج للجهاد فأجيبوا مسارعين وانْفِروا معجلين.

وقوله تعالى: {ثُبَاتٍ} جمع مفرده ثُبَة والأصل فيها ثبوة وهي الجماعة من الخيل أو العُصْبة من الفُرسان، من فعل ثبا يثبو، واوي اللام كما هو الاختيار عند المحققين، يقال ثَبَوْت له خيرًا بعد خير أي وجهته إليه.

وقوله تعالى: {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} معناه: انفروا إلى العدو إما ثبات، أي جماعات متفرقة، جماعة تلو جماعة وسرية بعد سرية، وإما جميعا متعاضدين في جيش واحد متكامل، وهذا يعني أن الأمة ينبغي أن تكون في حالة تعبئة مستمرة واستعداد دائم للجهاد، حتى لا تؤخذ على غرة أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت