مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا الكهف 28، فخرج يلتمسهم، فوجد قومًا يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس، وجافي الجلد وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: (الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم) .
إن الفقراء والمستضعفين لإخلاصهم وصدق إيمانهم هم رصيد القوة والنصرة للإسلام والمسلمين في كل عصر، ولذلك ما فتئ الرسول صلى الله عليه وسلم يذود عن حقهم في المساواة والكرامة والحرية والعيش الكريم في كل مجلس، ويقول: (ابغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم) ، ولما قدم المدينة وأقطع الناس الدور وفيهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال حيّ من بني زهرة:"نكِّب عنا [[1] ]ابن أم عبد"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلم ابتعثني الله إذا؟ إن الله لا يقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقه) ، ولما رأى سعد رضي الله عنه أن له فضلا على من دونه قال صلى الله عليه وسلم: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟) .
ولئن كان المستضعفون الذين هاجروا إلى المدينة قد نعموا بالأمن ونالوا حقهم في المساواة والعدل والحرية، فإن أشتاتا من المستضعفين في القبائل حول المدينة، وطائفة أخرى في مكة بقيت محاصرة، يمنعهم المشركون من الهجرة ويؤذونهم ويحقرونهم ويصادرون ممتلكاتهم، وآخرين من المؤمنين في المدينة مكر بهم مشركو القبائل واستدرجوهم إلى الصحراء وقتلوهم غدرا كما وقع لقراء بعث الرجيع، إذ قدم على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شهر صفر، من السنة الثالثة من الهجرة، نَفَر من عضل والقارة وزعموا أنهم أسلموا، ورغبوا أن يبعث معهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفرا من المسلمين يعلمونهم القرآن ويفقهونهم في الدين، فبعث معهم ستة رجال هم مرثد بْن أبي مرثد الغنوي، وخالد بْن البكير الليثي، وعاصم بْن ثابت بْن أبي الأقلح، وخبيب بْن عدي، وزيد بْن الدثنة، وعبد الله بْن طارق فنهضوا مع القوم حتى إذا صاروا بالرجيع، وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز غدروا بهم.
لكل هذا العدوان والغدر والظلم وخيانة العهود التي مورست ضد المسلمين من قبل المشركين نصرة لآلهتهم وذبا عنها، انتقل الوحي من الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأمر بأشد التكاليف والواجبات، جهادا في سبيل الله وتحريرا للمستضعفين في مكة والجزيرة من نير العبودية، وتحريرا لعقولهم من الضلال، وقلوبهم من الخوف، وإخراجا لهم من سجن حاكمية المخلوق إلى رحابة الحرية وحاكمية الخالق، فأمر أولا باتقاء مكر العدو والحذر من خداعه، وذلك أكبر قواعد القتال،
(1) - نكِّب عنا: نَحِّ عنا.