فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 326

ولعل من حكمة الله تعالى في تربية الرسول الأكرم أن أنشأه يتيما مستضعفا بين قوم أشد شركا وعتوا على الضعفاء، فكان أعرف الناس بحقيقة الظلم وأسبابه ونتائجه، وأقدرهم على استيعاب الوحي وتنزيله حيا نديا بين الناس. فلما قام المستكبرون من قريش لعزل المستضعفين وإقصائهم عن الدين الجديد الذي حررهم من الشرك ورفع هممهم عن هوان الاستكانة وذلة الضعف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوجيه من ربه خير مدافع عنهم وأقوى نصير لهم وأشد منحاز إلى صفهم.

لقد بدأت معركة الإسلام في أول عهدها مع رموز الشرك والاستكبار، بما نال الرسول عليه الصلاة والسلام من عدوان قريش واضطهاد ثقيف وعَبَدَةِ هبل وإساف ونائلة، وكان لا يفتر عن الاستنصار بربه وحده، داعيا في السر والعلن: (اللهم إليك أشكو ضَعْف قُوَّتِي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تَكِلُنى؟ إلى بعيد يَتَجَهَّمُنِى؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ ... ) [[1] ].

وعندما بدأت تباشير انتشار الإسلام وأقبلت عليه جموع المستضعفين، خاف المشركون وأرسلوا الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وكان معه خباب وبلال وعمار وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية وصهيب وأشباههم من ضعفاء المسلمين، فأتوه فخلوا به وقالوا:"إنا نريد أن تجعل لنا مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت"فقال صلى الله عليه وسلم: (نعم) ، فنزل جبرائيل عليه السلام بقوله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} الأنعام 52، وعن عبد الرحمن بن سهل بن حُنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في بعض أبياته: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ

(1) - الدعاء بتمامه: (اللهم إليك أشكو ضَعْف قُوَّتِي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تَكِلُنى؟ إلى بعيد يَتَجَهَّمُنِى؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سَخَطُك، لك العُتْبَى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) الرحيق المختوم للمباركفوري 1/ 100

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت